|
|
|||||||
| آخر 10 مشاركات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
المشاركة رقم: 1 |
|
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مقدمة وبعد، فإنَّ قضية الإعجاز القرآني قد استحوذت ـ منذ وقت مبكر ـ على قدر كبير من اهتمام العلماء وعنايتهم، وكانت هي الدافع القوي وراء ما بذلوه من جهود مباركة، يرمون من ورائها إلى تحقيق هدف ديني أصيل، جدير بأنْ يبذل في سبيله كل جهد، وتستنفد كل طاقة. ذلك أنَّ التسليم بأنَّ القرآن الكريم معجز للبشر، يؤدي بدوره إلى التسليم بأنه من عند الله تعالى، وهذا بدوره يؤدي إلى التسليم بأنَّ كل ما تضمنه حق خالص، لا سبيل للباطل إليه، وأنه الصراط المستقيم، وحبل الله المتين، وأنَّ العصمة والنجاة في الاحتماء بحصنه. لقد بعث الله تعالى رسوله محمداً فنزل القرآن على النبي محمد [1] معجزات الأنبياء. [2] تعريف المعجزة، الإعجاز. [3] تعريف البيان، الفصاحة، البلاغة. [4] معجزة القرآن. [5] التحدي بالقرآن. [6] حالة العرب الفكرية. [7] وجوه الإعجاز. [8] كتب الإعجاز. [9] نماذج من القرآن الكريم دالة على إعجازه البياني. [10] خاتمة تشمل على أهم النتائج التي توصل إليها البحث، كما ذيَّلتُ الدراسة بفهرس المراجع، ثم نأتي بعد الإجمال إلى التفصيل. والله أسال أنْ يوفقني لإخراج هذا البحث على الصورة المقبولة إنه سميع مجيب. [1] معجزات الأنبياء: اقتضت حكمة الله تعالى أنْ يؤيِّد رسله بالمعجزات لتكون تصديقاً لهم فيما يبلغون من رسالاته، إذا ما داخل الشك قلوب أقوامهم، وأنكروا عليهم دعواهم، كما قالت ثمود لصالح عليه السلام: (مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)([1]). وكما قال موسى عليه السلام لفرعون: (يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ)([2]). وكما قال عيسى عليه السلام لبني إسرائيل: (...أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)([3]). وكما قالت قريش لمحمد فلفت الله تعالى أنظارهم إلى أنَّ القرآن آية محمد [2] تعريف المعجزة: عندنا فعلان: أحدهما: ثلاثي، والآخر رباعي. الثلاثي: عجز، يعجز فهو عاجز، ومصدر الفعل هو: العجز. أما الرباعي: فهو أعجز، يعجز فهو معجز ومصدر الفعل هو الإعجاز. المعجزة إذاً: هو اسم الفاعل المؤنث من فعل ذلك الفعل([6]). والمعجزة في الاصطلاح: "هي الأمر الخارق للعادة، السالم من المعارضة يظهره الله تعالى على يد النبي، تصديقاً له في دعوى النبوة"([7]). ويشترط في المعجزة: |
|
|
|
|
المشاركة رقم: 2 |
|
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته |
|
|
|
|
المشاركة رقم: 3 |
|
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ] كتب الإعجاز: على الرغم من كون الجاحظ([35]) معتزلياً وتلميذاً لإبراهيم النَّظَّام؛ فقد آمن بفكرة الإعجاز، ووضع كتاباً حول الإعجاز الأسلوبي للقرآن أسماه "نظم القرآن"، لم يصل إلينا، ولكن الجاحظ على طريقته في الإشارة إلى بعض كتبه في بعضها الآخر، أورد بعض الفقرات من هذا الكتاب في كتابيه: "الحيوان" و"البيان والتبيين" الموجودين حالياً، ويتلخص رأي الجاحظ في تبنيه للقول بالصرفة إلى جانب إيمانه بأنَّ العرب عجزوا عجزاً حقيقياً ـ مع محاولاتهم ـ عن الإتيان بمثل القرآن، بسبب طريقة نظم القرآن أي أسلوبه، ويعتبر كتاب الجاحظ المفقود هذا أول كتاب في إعجاز القرآن كما يقول الباقلاني (ت 306هـ)، أشار إليه الرافعي وقال: "إنه سبق به عبد القاهر الجرجاني". وفي القرن الرابع نجد رسالة للرماني في إعجاز القرآن، أشار الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن" إلى أنها تعتبر المرحلة الثالثة ـ بعد الجاحظ والواسطي ـ من مراحل القول بأنَّ الإعجاز أسلوبي بياني. وقد أشار ابن سنان الخفاجي في "سر الفصاحة" والسيوطي في "الإتقان"([36]) إلى رسالة الرماني هذه. وهي تتميز بأنها نقلت مباحث الإعجاز خطوة إلى الأمام بتلخيص الرماني لكل ما قيل قبله من آراء في رسالته هذه. وممن ساروا على هذا الطريق أيضاً الخطابي (ت 388هـ)، في كتاب له عن إعجاز القرآن من جهة بلاغته، وقد اجتهد في تفصيل وجوه الإعجاز من جهة البلاغة، وخرج به عن دائرة النظم إلى دوائر أخرى من المعاني كالإخبار بما يحدث في المستقبل، وبهذا يكون البحث في الإعجاز قد بدأ ينتقل إلى طور جديد. وابتداء من القرن الخامس الهجري، ومع اتساع مجالات علم الكلام([37])، وتفشَّي بعض مظاهر الزندقة والإلحاد([38])؛ بدأت البحوث في الإعجاز القرآني تتخذ مسارات أكثر تطوراً، وساعد على هذا التطور الازدهار المشهود الذي اتسمت به البحوث اللُّغوية والفنون الأدبية، ويُعَدُّ كتاب الباقلاني من أفضل نتاج هذا القرن في مجال الإعجاز، إلى جانب إنجازات عبد القاهر الجرجاني الذي وضع نظرية النظم وضعاً متكاملاً، وإليها يرجع الفضل في تطور علوم البلاغة بعد ذلك، بل إننا لا نغالي إذا قلنا: إنَّ ما جاءت به بعض المدارس اللُّغوية المعاصرة التي اهتمت بالأسلوب والتحليل البنائي للتراكيب اللُّغوية لم تضف كثيراً إلى ما نادى به عبد القاهر ـ كما سيتضح ذلك بعد قليل ـ. أما كتاب الباقلاني فقد تلا ذلك من عصور، هو المنوال الذي نسج عليه المؤلفون في الإعجاز بعد عصر الباقلاني، وفيه ناقش مسألة في غاية الأهمية، وهي أنَّ القرآن لم يجيء معجزاً للكفار في عصر النبي ـ في رأيه ـ أنَّ أسلوب القرآن سيظل أرقى من كل الأساليب مهما تطورت. كما فرَّق الباقلاني بين إعجاز القرآن وإعجاز غيره من الكتب السماوية، فأوضح أنَّ إعجاز تلك الكتب مقصور على الإخبار بالغيب فقط، والقرآن إعجازه متعدد الجوانب([39]). أما عبد القاهر فقد بنى نظريته في النظم على أساس لغوي نحوي بحت، فهو في كتابه: "دلائل الإعجاز" يوضح جوانب نظريته تلك توضيحاً كافياً ويرد على مخالفيها. وملخص ما ذهب إليه أنَّ البلاغة التقليدية تقوم على حسن اختيار الألفاظ، فيتقوى المعنى بما يبذله المنشئ للأدب من جهد في التقديم والتأخير والاستعارة. أما القرآن فإنه يقوم بالأساس على فكرة أداء المعنى المراد بصورة جمالية مؤثرة في النفس من خلال العلاقات اللُّغوية (صوتياً بين الحروف، ونحوياً بين الكلمات، وصرفياً باختيار بناء صرفي محدد) وهذه العلاقات الثلاث تسهم في وضعية الدلالة وتأثيرها. وهكذا بدأت بحوث الإعجاز تتميز عن بحوث البلاغة وعلم الكلام، وفتح عبد القاهر والباقلاني باب تلك البحوث لمن جاء بعدهما. ففي القرن التالي لهما، وهو القرن السادس، نجد الاهتمام بالبحث في الإعجاز يتسع ليشمل متكلِّمين كأبي حامد الغزالي (شافعي المذهب)، والقاضي عياض (مالكي المذهب)، ومفسرين كالإمام الزمخشري([40]) وابن عطية([41]). وفي القرن السابع نجد الإمام فخر الدين الرازي، وهو مفسر مشهور ويأخذ تفسيره المُسَمَّى "مفاتيح الغيب" طابعاً خاصاً يهتم بالرد على فرق كثيرة من المتكلِّمين والزنادقة([42]). ونجد السكاكي البلاغي في كتابه: "مفتاح العلوم" الذي يعدّه كثير من الباحثين خاتمة كتب البلاغة القديمة في صورتها الإبداعية، ويعدّون مؤلفات البلاغة بعد السكاكي مجرد شروح وحواش وتلخيصات واجترار لما قاله السابقون. كما نجد اهتماماً بالبحث في الإعجاز في هذا القرن أيضاً عند ابن العربي الآمدي، علي بن أبي علي (ت 631هـ)، وحازم القرطاجني (ت 684هـ)، ثم البيضاوي المفسر([43]). وفي القرن الثامن نجد آراء قيمة للزملكاني (ت 727هـ) في كتابه: "التبيان في إعجاز القرآن"، وابن تيمية (ت 728هـ) في كتابه: "جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن"، والخطيب الذي لخص كتاب: "مفتاح العلوم" للسكاكي، ويحيى بن حمزة العلوي صاحب كتاب: "الطراز" (ت 749هـ)، وابن القيم (ت751هـ) صاحب كتاب "الفوائد المشوقة إلى علم القرآن وعلم البيان"، الذي يتناول فيه بإسهاب قضية الإعجاز القرآني وما سبقه من آراء فيها. كما نجد إشارات للإعجاز في تفسير ابن كثير (ت 774هـ)([44]). وتتابعت الكتابات في الإعجاز القرآني بعد ذلك، حيث نجد في القرن التاسع آراء لابن خلدون والفيروزآبادي والمراكشي. وفي القرن العاشر يظهر السيوطي بكتابيه: "الإتقان في علوم القرآن" و"معترك الأقران في إعجاز القرآن"، وكتابه الثاني جامع ومفيد يقع في ثلاثة مجلدات، وهو في رأي بعض الباحثين أثمن كثيراً من الإتقان وأشمل، ويغفل عنه كثير من الباحثين على الرغم من قيمته العظيمة، وقد رتّبه الإمام السيوطي على خمسة وثلاثين وجهاً من وجوه الإعجاز، ويقدم لكل وجه بمن ألَّف فيه قبله، وهو يُعَدُّ سجلاً للمؤلفين والكُتَّاب في هذا الفن([45]). كما نجد في هذا القرن أيضاً تفسير أبي السعود([46]) وبعض الإشارات عند طاش كبرى زاده. وفي القرن الحادي عشر نجد الشهاب الخفاجي، وفي القرن الثاني عشر نجد الضرير المالكي الإسكندري، الذي تفرَّد بين علماء التفسير بوضعه تفسيراً منظوماً كاملاً للقرآن الكريم، كما نجد الجمل الذي وضع حاشية على تفسير الجلالين. وفي القرن الثالث عشر يتميَّز الإمام الشوكاني بتفسيره: "فتح القدير"([47]) والألوسي بـ: "روح المعاني"([48]). وقد تحدث كل منهما في ثنايا تفسيره عن البلاغة القرآنية وجوانبها المختلفة. وخير ما نجده في هذا العصر كتاب "البرهان في علوم القرآن" للإمام بدر الدين الزركشي، وفيه مبحث جيد في إعجاز القرآن، والكتاب مطبوع حالياً في أربعة مجلدات ومتداول. ومن الكتب الجيدة أيضاً التي تناولت الإعجاز بتفصيل دقيق "مناهل العرفان في علوم القرآن" للشيخ/ محمد عبد العظيم الزرقاني حيث عرَّف إعجاز القرآن بقوله: "أصل الإعجاز في اللُّغة: إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به، فهو من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول وما تعلق بالفعل محذوف للعلم به. والتقدير: إعجاز القرآن خلق الله تعالى عن الإتيان بما تحداهم به. ولكن التعجيز المذكور ليس مقصوداً لذاته، بل المقصود لازمه وهو إظهار أنَّ هذا الكتاب حق، وأنَّ الرسول الذي جاء به رسول صدق، وكذلك الشأن في كل معجزات الأنبياء، ليس المقصود بها تعجيز الخلق لذات التعجيز، ولكن للازمه وهو دلالتها على أنهم صادقون فيما يبلغون عن الله تعالى، فينتقل الناس من الشعور بعجزهم إزاء المعجزات، إلى شعورهم وإيمانهم بأنها صادرة عن الإله القادر، لحكمة عالية، وهي إرشادهم إلى تصديق من جاء بها ليسعدوا باتباعه في الدنيا والآخرة"([49]). ولقد تناول في المبحث السابع عشر إعجاز القرآن وما يتعلق به بالتفصيل، فارجع إلى ذلك هناك([50]). ولم يعدم القرن الأخير كُتَّاباً شغلهم إعجاز القرآن فألَّفوا فيه كالرافعي في كتابيه: "آداب العرب" و"إعجاز القرآن"، والدكتور/ محمد عبد الله دراز في كتابه: "النبأ العظيم" في بعض مباحثه، وسيد قطب في كتابه: "التصوير الفني في القرآن"([51]). وما زال في الساحة كثير ممن لا أحصيهم عدداً، وفي ضمير الغيب كثير ممن سَيُقَيَّضُونَ لهذا العمل الجليل، ويورثون علم هذا الكتاب العزيز حتى آخر الزمان. [9] نماذج من القرآن الكريم دالَّة على إعجازه البياني: لنأخذ بعض الأمثلة الدالَّة على الإعجاز البياني على سبيل الإيضاح لبعض الجوانب المهمة في براعة أسلوب القرآن وكونه معجزاً. يقول القاضي عياض: "أولها حسن تأليفه"، من حيث تركيبه بين حروفه، وكلماته، وآياته، وسوره، وقصصه، وحكاياته، وانتظام كلماته، في سلك مبانيها المتناسبة لمقتضى معانيها المتناسقة. وهذا هو السر في أنَّ القرآن لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية، من حيث ذوات المفردات والجمل وقوانينها العامة، بل جاء كتاباً عربياً جارياً على مألوف العرب من هذه الناحية، فمن حروفهم تألَّفت كلماته، ومن كلماتهم تألَّفت تراكيبه، وعلى قواعدهم العامة في صياغة هذه المفردات وتكوين التراكيب جاء تأليفه، ولكن المعجز والمدهش أنه مع دخوله على العرب من هذا الباب الذي عهدوه، ومع مجيئه بهذه المفردات والتراكيب التي توافروا على معرفتها، وتنافسوا في حلبتها، وبلغوا الشأو الأعلى فيها، نقول: إنَّ القرآن مع ذلك كله وبرغم ذلك كله؛ قد أعجزهم بأسلوبه الفذ، ومذهبه الكلامي المعجز. ولو دخل عليهم من غير هذا الباب الذي يعرفونه، لأمكن أنْ يلتمس لهم عذر أو شبه عذر، وأنْ يسلم لهم طعن أو شبه طعن (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ آأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)([52])، ولهذا المعنى وصف الله كتابه بالعروبة في غير آية. فقال جَلَّ ذكره في سورة يوسف: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)([53])، وقال في سورة الزخرف: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)([54])، وقال في سورة الزمر: (قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)([55]). ومن فصاحة القرآن وضوح بيان معانيه، مع اقتصاد مبانيه، مع إيجازه، وذلك بإيفاء واكتفاء وإيماء([56])، غير مخل ولا ممل، ومن بلاغته في عجائب التراكيب، وغرائب الأساليب، وبدائع العبارات، وروائع الإشارات، المتجاوزة لعادة العرب من فصاحتهم وبلاغتهم.. حيث إنهم كانوا أرباب هذا الشأن من الفصاحة والبلاغة وفرسان الكلام، وقد خُصوا من البلاغة والحِكَم ومن كمال العقل ما لم يُخص به غيرهم من الأمم سابقة ولاحقة، حتى إنهم تساجلوا في النظم والنثر وتفاخروا وتكاثروا، فما راعهم إلاَّ رسول كريم جاءهم بخلاف هواهم لكنه معه هداهم.. حتى أتاهم بكتاب عزيز (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)([57]) أُحكمت آياته، وفُصلت كلماته، وبَهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول نظماً أو نثراً. وهذا الوليد بن المغيرة سمع من النبي وكل هذا مما جعل القرآن الكريم في فصاحته وبلاغته خارقاً للعادة، يعجز المنكرين واعتراف المفترين، ولنأخذ مثلاً للتأمل في إعجاز بلاغته متأملاً الإيجاز الباهر في الإعجاز الظاهر في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)([60]) نجد من بدائع التركيب وروائع الترتيب، مع ما فيه من المطابقة بين معنيين متقابلين، وهما: القصاص والحياة. ومن الغرابة بجعل القتل الذي هو مفوت الحياة ظرفاً لها. ومن البلاغة حيث أتى بلفظ يسير متضمن لمعنى كثير، فإنَّ الإنسان إذا علم أنه إذا قَتل اقتُصَّ منه دعاه ذلك إلى ردعه عن قتل صاحبه، فكأنه أحيا نفسه وغيره، فيرتفع بالقصاص كثير من قتل الناس بعضهم بعضاً، فيكون القصاص حياة لهم مع ما في القصاص من زيادة الحياة الطيبة في الآخرة. وفي هذا نجد أنه أولى من كلام موجز عند العرب وهو أنَّ: (القتل أنفى للقتل)، في قلة المباني، وكثرة المعاني، وعدم تكرار اللفظ المنفر، وفي الإيماء إلى أنَّ القصاص ـ الذي بمعنى المماثلة ـ سبب للحياة دون مطلق القتل بالمقابلة، إذ ربما يكون سبباً لفتنة فيها قتل فئة وفساد جماعة. وهناك أمثلة كثيرة تدلُّ على حسن تأليفه وروعة تراكيبه، ففي العصر الذهبي للُّغة العربية حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تُخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما إنْ ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأُنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة، واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللُّغة العربية. فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع ـ في تناسق حكيم ـ بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود، بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما([61]). إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكاً من النثر، وأقل نظماً من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط سامعه، ويتجانس في آخر الآيات سجعاً، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة([62]). أما كلماته فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أنْ تهبط إلى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية، التي لا توصف بالغريب إلاَّ نادراً. وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام، إذ تُعَبِّر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلاَّ بجمل مطوَّلة نسبياً. ([1]) سورة الشعراء، الآيتان (154ـ155). ([2]) سورة الأعراف، الآيات (104-108). ([3]) سورة آل عمران، الآية (49). ([4]) سورة الأنبياء، الآية (5). ([5]) سورة العنكبوت، الآيتان (50-51). ([6]) سيد قطب: في ظلال القرآن، 1/48. وانظر: مجلة المنهل، عدد خاص، القرآن الكريم الهدى والإعجاز، عدد 491، عام 1412هـ ـ 1991م، بحث الإعجاز البياني في القرآن الكريم، ص 123. ([7]) شرح الجلال على العقائد العضدية، 2/276. ([8]) بحوث في الثقافة الإسلامية، تأليف عدد من أساتذة جامعة قطر، ص 275. ([9]) انظر: المصباح المنير، ص 149. ([10]) هو: علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني، فيلسوف من كبار العلماء بالعربية، ولد في تاكوا قرب استرياد، ودرس في شيراز وأقام بها إلى أنْ توفي، له نحو خمسين مصنفاً. انظر ترجمته في: الفوائد البهية، 125، ومفتاح السعادة، 1/167، وبروكلمن في دائرة المعارف الإسلامية، 6/333، والضوء اللامع، 5/328، ومعجم المطبوعات، 678، وآداب اللًّغة، 3/235، والأعلام للزركلي، 5/159-190. ([11]) د. صلاح عبد الفتاح الخالدي: البيان في إعجاز القرآن، ص 23-31. ([12]) الرافعي: إعجاز القرآن، ص 139. ([13]) كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم: البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن. ([14]) سورة الأنفال، الآية (31). ([15]) سورة الطور، الآية (34). ([16]) سورة الفرقان، الآية (4). ([17]) سورة هود، الآية (13). ([18]) سورة يونس، الآية (38). ([19]) سورة البقرة، الآية (23). ([20]) انظر: د. إسماعيل أحمد الطحان: دراسات حول القرآن الكريم، ص 92. ([21]) قال سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ: "وإذا تجاوزنا عن النفر القليل الذين كانت شخصية محمد ([22]) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، 2/326. وانظر: تفسير الطبري، 29/98، وتفسير ابن كثير، 8/267. ([23]) سورة المدثر، الآيات (11-26). ([24]) سورة الفرقان، الآية (5). ([25]) سورة النحل، الآية (103). ([26]) سورة الأنبياء، الآية (5). ([27]) سورة الفرقان، الآية (32). ([28]) سورة يونس، الآية (15). ([29]) سورة الفرقان، الآية (33). ([30]) سورة الأنفال، الآية (31). ([31]) انظر: ص (18) من البحث، والآيات التي ورد التحدي بها هي الآية رقم (13) من سورة هود، والآية (38) من سورة يونس، والآية (23) من سورة البقرة. ([32]) انظر: تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، 1/103. ([33]) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي أبو الفضل، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، له عدة تصانيف منها: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى العقبات، 222، والفهرس التمهيدي، 368، وبغية المتلمس، 425. ([34]) ابن حزم: الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل، 3/7، و2/184. ([35]) هو: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، أبو عثمان الشهير بالجاحظ، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، مولده ووفاته في البصرة، له تصانيف كثيرة منها: "الحيوان"، و"البيان والتبيين"، و"سحر البيان" وغيرها. انظر ترجمته في: إرشاد الأريب، 6/80، والوفيات، 1/388، وأمراء البيان، 311، ولسان الميزان، 4/355، وتاريخ بغداد 12/212. ([36]) انظر: الإتقان للسيوطي، 2/326 وما بعدها. ([37]) علم الكلام هو: علم التوحيد، والكلام في أصل اللُّغة: الأصوات المفيدة، وعند المتكلِّمين: "المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بألفاظ يقال: في نفس الكلام"، وفي اصطلاح النُّحاة: "الجملة المركبة المفيدة، نحو: جاء الشتاء، أو شبهها مما يكتفي بنفسه، نحو يا علي". انظر: المصباح المنير، 206، والمعجم الوسيط، 2/796، وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار، 6. ([38]) الزنديق: المشهور على ألسنة الناس أنَّ الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر، والعرب تُعبِّر عن هذا بقولهم: ملحد أي طاعن في الأديان، وفي "التهذيب": وزندقة الزنديق أنه لا يؤمن بالآخرة ولا بوحدانية الخالق. انظر: المصباح المنير، 98. ([39]) انظر: بحث الإعجاز القرآني نظرة تاريخية، د. مصطفى رجب، مجلة المنهل، العدد 491، أكتوبر 91، ص 38. ([40]) انظر: الكشاف للزمخشري، 4/295. ([41]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، تفسير سورة البقرة. ([42]) تفسير الفخر الرازي، 14/22. وانظر: كشف الظنون، مادة (تفسير)، 431. ([43]) تفسير البيضاوي، 5/204. ([44]) تفسير ابن كثير، تحقيق سامي محمد السلامة، 1/47. ([45]) انظر: د. إسماعيل أحمد الطحان: دراسات حول القرآن الكريم، ص 97. ([46]) إرشاد العقل السليم لأبي السعود، 5/390. ([47]) انظر: فتح القدير للشوكاني، مؤسسة الريان، بيروت، ط/1، 1418هـ، 1/69. ومحاسن التأويل للقاسمي، 1/72، وتفسير النسفي، 4/381. ([48]) انظر: روح المعاني للألوسي، 30/256. ([49]) راجع: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، 2/331. ([50]) انظر: 2/331-434، وراجع: مناهل العرفان لتقف على تفصيل أكثر، 1/56-84. ([51]) انظر: سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، ص 11، وما بعدها، و د. محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم، ص 80-109. ([52]) سورة فصلت، الآية (44). ([53]) سورة يوسف، الآية (2). ([54]) سورة الزخرف، الآية (3). ([55]) سورة الزمر، الآية (28). ([56]) انظر: مناهل العرفان، 2/334. ([57]) سورة فصلت، الآية (42). ([58]) سورة النحل، الآية (90). وراجع: تفسير الآية في: زاد المسير للسيوطي، 4/483 وما بعدها، وتفسير ابن كثير، 4/596 وما بعدها، والطبري، 14/409، والحلية، 8/255، والإصابة، 1/118، والاستيعاب، 1/146، ومسند أحمد، 5/36. ([59]) الإتقان في علوم القرآن، 2/326. ([60]) سورة البقرة، الآية (179). يقول ابن قتيبة: "يريد أنَّ سافك الدم إذا أُقيد منه، ارتدع مَنْ يهم بالقتل فلم يَقتل خوفاً على نفسه أنْ يُقتل، فكان في ذلك حياة". انظر: تفسير غريب القرآن، 72. وانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، 5، والدر المنثور للسيوطي، 1/17. ([61]) راجع: د. محمد عبد الله دراز: مدخل إلى القرآن الكريم، ص 115. ([62]) هناك استثناءات من هذه القاعدة، فقد لا ينتظم السجع إلاَّ على مراحل، ويختلف بين مجموعات الآيات في نفس السورة، انظر مثلاً، سورة الحاقة والسورة التالية ########################################### * عميد كلية الدعوة بجامعة أمدرمان الإسلامية |
|
|
|
|
المشاركة رقم: 4 |
|
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته |
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| صدر لي كتاب (الإعجاز البياني في العدول النحوي السياقي في القرآن الكريم) | دعبدالله الهتاري | ملتقى البلاغة العربيّة | 8 | 09-17-2011 05:29 PM |
| الإعجاز التربوي في القرآن الكريم | جمال شرباتي | ملتقى إعجاز القرآن الكريم | 0 | 12-03-2009 02:21 AM |
| ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) مؤتمر الإعجاز العددي في القرآن الكريم | أبو ملاك الخير | ملتقى علوم القرآن الكريم | 4 | 12-12-2008 12:43 PM |
| سيصدر قريبا (الإعجاز البياني في العدول النحوي السياقي في القرآن الكريم | دعبدالله الهتاري | ملتقى البلاغة العربيّة | 5 | 02-27-2008 04:42 AM |
| سيصدر قريبا (الإعجاز البياني في العدول النحوي السياقي في القرآن الكريم | دعبدالله الهتاري | ملتقى البلاغة العربيّة | 0 | 02-25-2008 05:31 PM |