|
نــظــريــة آذان ألانـــعــام
الجزء الاول
خلق الكون من الماء
الحلقة الثانية
كما اسلفت فنظرية آذان الأنعام طرحت مفهومين قرآنيين متداخلين للخلق والتطور. خلق وتطور السموات والارض من ناحية, وخلق وتطور الحياة من ناحية اخرى.
خلق الله كل الكون من ماء كما اسلفنا ... ثم خلقت السموات والارض بعد ان فرض الله اعلى السلطات الالهية (العرش) على الماء مقارنة ببقية الخلق.. وبعد ذلك {كتب في الذكر كل شئ} ... والذكر هنا ربما يشير الي القوانين النوعية التي تنظم حركة الوجود, والتي اكتشف الانسان جزءً منها فيما يعرف يقوانين الكيمياء والفزياء والاحياء وكل قوانين الطبيعة التى تدير حركة الكون بصورة دقيقة منتظمة وكانها برمجة متقنة برمجها بديعة السموات والارض لتشكل ناموس الكون الذي جعل الله فيه لكل شئ سبباً!
نواصل نص النظرية:
(خلق السماء اولا ثم سواهن سبع سموات طباقاً... وظل الكون في حالة اتساع مستمر كما ورد في الآية:
{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} 47 الذاريات!
اعتراض: ناقش الكاتب مفهوم يد الله حيث ورد فى القرآن ان ثلاثة مخلوقات تدخلت يد الله فى خلقها: هي الانسان والانعام والسماء بلفظ المفرد اعلاه- وساتعرض لذلاك بشئ من التفصيل لاحقاً ان شاء الله-
وحتي نفهم شكل السموات والارض وعلاقتهما ببعض نتدبر هذه الآيات:
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} 33الرحمان!
{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة} 4 المعارج.
لمَّا كان القُطر هو الخط الذى يصل بين نقطتين على المحيط مرورا بمركز الدائرة او الكرة, ولمَّا كان العرج هو الصعود بميل, فإننا نستنتج من مثل هذه الآيات الآتى:
1. ان السموات والارض شكلهما كروى.
2. ان الأرض وهي الكرة الصغيرة توجد فى مركز مجموع السماوات, لان انطباق أقطار السموات والارض على بعضهما يقتضى اشتراكهما فى المركز الذى تتقاطع عنده تلك الأقطار.
3. كلما يصعد الى السماء يتبع مساراً منحنيا مع تقوس وانحناء الكون. { هنا يمكن التدبر في الشكل التقريبى للكون في موقع الدكتور في صفحة العرش- ساحاول رفعه هنا}ولمَّا كان فى مفهوم الكرة أنَّ النزول يفيد الإقتراب من المركز والصعود يفيد الابتعاد عن المركز نحو المحيط فى أى اتجاه, فإنَّ الإرتفاع يعنى التحرك من المركز تجاه المحيط! اذا أضفنا الى هذه النتائج آيات اخرى يمكننا ان نتخيل عملية بناء السموات والأرض اكثر وضوحاً:
{اللَّهُ الذى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} 2 الرعد
نفهم من ذلك كله ان كتلة السموات والارض وجدت ملتصقة {رتقا} ثم ابتعدت السموات من المركز وهو الأرض, فى حركة بطيئة (فتقاً) لتتسع الى سبعة سموات وتكون الارض هى المركز الذى يدور حوله مجموع السموات وهى فى حالة اتساعٍ مستمر! نلاحظ ايضا ان عملية رفع وبناء السموات اكتملت قبل استواءه على العرش, لانه عطف الاستواء على العرش بحرف العطف " ثــــــــــم" . هذا يدلل على ان بدء الخلق خضع للارادة الالهية المطلقة { يد الله} , ثم بعد ذلك انطلق قانون التطور او التحكم التلقائى الذى استوى الرحمن عليه! {ساناقش الاستوء علي العرش فى الحلقة القادمة}.
ولمَّا كان اتساع الشكل الكروي متماثلاً فى كل الإتجاهات, فالكون اذاً فى حالة انتفاخ بطيئ و محكم. كلمة "عمد" تفيد ان السموات ظلت مرتكزة بقوى خفية طاردة وجاذبة على مركز الكون وهو الأرض! ولمَّا كانت مكة تتوسط كتلة الارض ويتم عندها تلاشى الانحراف المغناطيسي { ناقش ذلك بالتفصيل في باب سدرة المنتهى}, فإن مجموع السموات ربما يكون مرتكزا على مركز الكون وهو الارض, وبالتحديد على وسط الأرض وهو مكة, وربما تكون عبادة الطواف عكس عقارب الساعة حول الكعبة ليست الا تمثيلا لحركة كل الكون حول هذا المركز وتبادل الطاقات بين أجساد العباد وطاقات الارض الكامنة!
هذا الفتق او الإنفصال البطئ المحكم والإتساع المستمر للسماوات لم يخلق فراغا وتجاويف لان الكون ظل متصلا ومكرَّسا, تصل بين كل ذراته من أعلى السموات الى ادني الارض غازات وطاقات كهروـ مغناطيسية وضوئية وقوى مجهولة تجعل منه جسما واحدا متماسكا ومتصلا مما يفسر آية الكرسى:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فى السَّمَاوَاتِ وَمَا فى الْأَرْضِ مَنْ ذَا الذى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}255 البقرة!
فالكَرْس هو التلبُّد والتداخل والإلتصاق من غير فراغات وتجاويف, و "كُرْسِيُّهُ" تصف نظام خلقه فى كَرْسِ كل الوجود! )
اعتراض:هنا, و لاهمية وحساسية المفهوم, انقل باختصار شرح الدكتور لمفهوم الكرسى من الباب العاشر:
الــكــرســـى
لا غرابة أن المفسرين قد اختلفوا اختلافات كثيرة فى تفسير مفهوم "الكُرسي". وقد وجدنا أقرب تلك الآراء الى ما ذهبنا اليه من تفسير العرش بالسلطة المطلقة, هو تفسير ابن عباس الذى أورده ابن كثير فى تفسيره وهو أن الكرسي يعنى العلم! أغلب الظن أن مصدر كلمة كرسي فى اللغة هو من كَرْسٍ وهي تعنى تلبـُّد الشئ حتى لا توجد فيه فراغات وتجاويف, ومنها كلمة "الكُراسة" التى يكتب عليها التلاميذ, وقد سميت "كُراسة" لتلبد وتداخل صفحاتها, ومنها " كَرَّسَ" جهده, أى بذل أقصاه من غير تساهل أو تراخ وكأنه ضغطه ضغطا. والكرسي الذى نجلس عليه يسد الفراغ بين الجسد والأرض تماما ويجعله متصلا بالأرض.
الآية تعتبر أعظم آية فى كتاب الله كما ورد فى الأحاديث, وهي تصف سيطرة الله المطلقة على كل شئ فى الوجود, وإحاطة علمه بكل خبايا الكون. هذا المعنى العام لا يختلف عليه اثنان, ولكن روعة القرآن تكمن دائما فى تطويع اللغة العربية لتقوم بتوصيل المعانى المجردة بصورة مجسمة يسهل فهمها, وفي نفس الوقت تكشف حقائق علمية عن طبيعة الكون غالبا ما تكون خافية على العامة. فإذا قبلنا مفهوم "الكرسى" بأنه مشتق من التلـبُّد والتداخل من غير فراغات وتجاويف, نجد الآية ترسم لوحة فنية مذهلة عن حقيقة الكون!
الى عهدٍ قريب كان مفهوم الهواء غائبا عن فهم الإنسان الذى يظن أن الكوب الذى لا ماء فيه فهو فارغ, ولكن بتطور العلوم اكتشف الإنسان أنه لا توجد فراغات فى الكون. فكل شئ فى الارض موجود داخل مساحة من الهواء الذى يتكون من غازات أشهرها على سطح الأرض هى غازات الأكسجين وثانى اكسيد الكربون والنيتروجين! هذا يعنى أنه بينك وبين أقرب جسم لك سواء كان منضدة أو حائطا لا يوجد فراغ وانما كل خلية فى جسدك الآن على اتصال تام بكل ما حولها عن طريق الغازات التى تكون الهواء غير المرئى, وبالتالى فإنّ كل الموجودات على الأرض إنما هى موجودة فى وسط مُكَرَّس يحيط ويلتصق بها من كل جانب, تماما كما لو تخيلنا أننا نسكن فى وسط البحر وتلتصق بنا مياهه من كل مكان. إذا صعدنا فى السماء تتغير نوعية الغازات ولكن لا توجد فراغات وإنما تحل محل الغازات تدريجيا طاقات خفية غير مرئية من طاقات مغناطيسية وأشعة وموجات صوتية وضوئية وغيرها من أسرار الكون التى لا يعرفها إلا الله تعالى. اذاً فكل الكون مُكَرَّس و متصلٌ ببعضه اتصالا مباشرا من أدنى ذرة فى أى مكان فى الأرض الى أعلى مكان فى السموات العُلا! استعمال لفظ "الكرسى" والذى يعنى نظام التلـبُّد والاتصال من غير فراغات, الذى صممه الله, يوحى بأن الله خلق كل هذا الوجود متداخلا ومتصلا ببعضه بعضا, وإن كنَّا لا نرى القوي الكهرومغناطيسية التى تحافظ على الكواكب والنجوم فى مداراتها كما لا نري الهواء الذى يملأ المساحة بيننا بعضنا مع بعض ومع ما حولنا من مجسمات, ولكننا نعلم أن الله وصف السموات بأنها مرفوعة بعمدٍ لا نراها وانها متصلة من غير فروج:
{الذى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور}3 الملك!
وآية الكرسي تشير الى أن الله متحكمٌ فى كل هذا الوجود بسماواته وأرضه بصورة مباشرة مادية متصلة مع بعضها البعض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم! إذاً فالكرسى الذى وسع السموات والأرض ليس مقعدا ذا أربعة أرجل كما يخطر على خيال الإنسان من طبيعة استعمالنا لكلمة كرسى فى حياتنا اليومية, إنما هو وصف لكرس الوجود وعدم وجود فراغات فى أى مكانٍ فى الكون لأن الكون خلق مكرَّسا أى مُتَلَبِّدا ومتصلا من أقصاه الى أقصاه, وخلق الله فيه قوانين نوعية تتحكم فى كل ذرة وما يليها ويخضع كل الكون لنظام الكرس الذى صممه الله تعالى. ولأن هذا الوصف يثير فى النفس رهبة وقشعريرة فى الجسد من مجرد محاولة تخيل عظمة الكون, فقد كانت بداية و نهاية الآية منطقية جدا وهي ان الله لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يرهقه التحكم فيه وهو العلي العظيم!
من المهم جدا ان نذكر هنا ان القرآن لم يصف فى أى آية ان الله خلق العرش او الكرسي, او صنعهما او أى شئ من هذا القبيل الذى يجعلهما جسدا او مادة كما وصف انه بنى السماء وجعلها سقفا. هذا يؤكد ان الفاظ العرش والكرسى ليست الا الفاظاً تصف النظام الذى يحكم الكون, تسهل على عقل الانسان التدبر فى قدرات الله, كما نتدبر فى صفاته: الرحمن الرحيم الملك الحكيم العليم.... من غير ان يصف صفاته بانها مخلوقة لانها صفات ومفاهيم مطلقة وليست مجسدات.
إذاً فلا العرش عرشاً كما فهمنا ولا الكرسـي كرسيا, وبطبيعة الحال يصبح استواؤه على العرش ذا مدلول جدير بالبحث. ولا يخفى على الناس أن الاختلاف فى فهم آية: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}5 طه.... قد ادى الى ان يكفر بعض المسلمين بعضهم, وقد اشتهر عن الإمام مالك رضى الله عنه قوله "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة", ونحن نحمد الله ان يسر لنا ان نأخذ برأى الإمام مالك نفسه حينما قال "كل ابن آدم يؤخّّّّّذ ويرد فى كلامه الا صاحب هذا القبر" مشيرا الى قبر النبى . ونحسب اننا قد وُفِقنا فى الوصول الى فهمٍ يُخرج المسلمين من الحرج فى محاولة فهم هذه الآية! وسنقوم بتفسير ذلك بعد ان نفسر سر القلائـد ومقالـيد السموات والأرض وأسرار البيت العتيق و خلق السموات والارض و سدرة المنتهى فى آخر هذا الكتاب باذن الله.
ولعل فهمنا لآية الكرسى بهذا المعنى يفسر كثيرا من الظواهر الكونية الخفية التى قام عليها نظام انتقال الصوت والضوء و الموجات الكهرو مغناطيسية والتي بدورها أدت الى اختراع التليفزيون والراديو والهواتف المحمولة والانترنت والرادارات واجهزت التحكم البعيد إذ أنها جميعا تبدوا وكأنها غير متصلة مع مصدر إرسال المعلومات, ولكن فى حقيقة الأمر فالكون كله متصل لأن كرسيه وسع السموات والأرض! وأيضا يمكن للإنسان البسيط إذا فهم آية الكرسى كما فسرنا, أن يفهم أن الطائرات لا تطير فى فراغ وإنما تنتقل عبر وسط سميك قادر على حملها رغم ثقلها المتناهي, فقط عندما يفهم الإنسان تلك القوانين التى تحكم كل وسط ثم يسخرها لخدمته, كما فهمت الجاذبية الارضية من "تفاحة نيوتون"! ولعله من المفيد ان نذكر ان كل هذه القوانين المتصلة ببعضها بعضا هى الملائكة او الرسل التى سجدت واخضعت لعقل آدم حينا طوره الله لانسان عاقل فاصبح فى مقدوره اكتشافها والتحكم فيها كما هو حالنا اليوم. (ساشرح سجود الملائكة فى حينه فى الجزء الثالث ان شاء الله)
ولعلَّ آية الكرسي تفسر بكل بساطة ظاهرة المد والجذر التى تتعرض لها كل المسطحات المائية, بل وحتي تركيز الماء فى خلايا جسم الإنسان, بحركة القمر وبقية الكواكب فى الفضاء. فكثير من الناس يصابون ببعض الاضطرابات النفسية عند اكتمال القمر نتيجة لاضطراب التركيز الكيميائي فى خلايا أجسادهم. هذا ليس إلا دليلا على أن نظام الكرس الذى يتحكم فى الكون يعنى إتصال كل الموجودات مع بعضها البعض, وإن كنّا لا نستشعر ذلك الاتصال الا كنتيجة لحركة الأجرام الضخمة فى الفضاء كالقمر.
نحن لا ندعى أن تفسيرنا هذا هو عين ما عناه الله, ولكننا فقط أردنا أن نطرح رأيا يدفع الناس فى زماننا ومن بعدنا لفهم الكون فهما صحيحا و محاولة فهم آيات خالق الكون بقدر ما علَّمنا الله بالقلم فى أى عصر من العصور. قصدنا أن نبرز المعانى الخفية لهاتين الآيتين لأن فهم الخلق لا يستقيم إذا كان الإنسان يعاني من تشويشٍ فى فهمه لقدرات الخالق المطلقة فى الخلق, فلعل الكرسي والعرش ليسا إلا مصطلحات سُخِّرت لتعكس أبعادا لقدرات الله يصعب على الإنسان استيعابها إذا وصفت بألفاظ بسيطة >
انتهي الشرح المنقول من داخل الكتاب....نعود الي نص النظرية.
(ولمّا كان هذا التداخل والإلتصاق بين كل مكونات الكون خاضعٌ لنظام وقانون نوعى دقيق هو "العرش" او السلطة العليا التى تدير ناموس الكون, فقد شاءت الإرادة الإلهية ان يكون ذلك القانون والنظام ثابت لا يتغير وفق أهواء او إنفعالات او تقلب مزاج, رحمة بكل الخلق, وهو ما يفسر آية الإستواء على العرش..).
في الحلقة القادمة ان شاء الله نناقش استواء الرحمن علي العرش, وثبات قوانين الطبيعة ما دامت السموات والارض....رحمة بالعباد. |