" المعيارية في التراث النحوي وعلم اللغة الحديث "
دراسة في المنهج المعياري في ضوء التوليدية التحويلية
(3)
القسم الثالث :المعيارية في علم اللغة الحديث :
أولاً : المعيارية في التوليدية التحويلية :
توطئة:
يعدّ المنهج التوليدي التحويلي من المناهج الحديثة التي قامت على أسس معيارية بحتة. وقد "كان للتطور المتسارع في مجال درس النحو العربي من منظور حديث نتائج ملموسة، فقد ظهر من خلال ما تمّ عرضه من مادة في نطاق المناهج الحديثة المستخدمة في العالم العربي أن كلاً من هذه المناهج جاء ليسد ثغرة في منهج سابق أو مناهج توسّل بها النحاة العرب المعاصرين لدرس النحو العربي على وفقاً لما يجد في ميدان علم اللغة المعاصر." (85)
والمنهج التوليدي التحويلي جاء ليهاجم المنهج الوصفي الذي سعى إلى كسر أركان المنهج المعياري الذي كان سمة من سمات النحو العربي على الخصوص .
يعدّ المنهج التوليدي والتحويلي بوابة الدراسات اللغوية والنحوية الحديثة في العالم العربي والغربي . فمن خلال مظاهر المعيارية التي توافقت مع مظاهر التوليدية التحويلية وجدنا توطيد العلاقة بينهما إن لم يكن المنهج التوليدي التحويلي يساوي في حد ذاته المنهج المعياري.وستتناول الباحثة في هذا الفصل في المبحث الأول مظاهر المعيارية في التوليدية التحويلية. وفي المبحث الثاني من هذا الفصل ستتناول التوافق السائد بين المعيارية والتوليدية التحويلية.
فكرة التوليدية التحويلية التحليل كما ذكر محمود حجازي تتمثل في القدرة اللغوية.إذ يقول: "فالوصف الدقيق للغة من اللغات إنما يعني تحديد الإمكانيات التعبيرية الكامنة في هذه اللغة والتي ينتقي منها ويتوسل بها مستخدم اللغة إيجاباً وسلباً. فوصف الاستخدام اللغوي عند فرد بعينه ليس وصفاً لطاقات اللغة، بل تعرف للقدرة اللغوية لهذا الفرد ، ومن هنا تتجاوز فكرة التحويلي التوليدي مجرد وصف الأداء الفردي إلى محاولة تحديد(مجموع الإمكانيات التعبيرية) في اللغة قيد الدراسة، وهذه الإمكانيات كامنة عند مستخدم اللغة حتى إنه يستطيع بالمختزن لديه منها أن يفهم جملاً وتعبيرات لم يسبق له أن سمعها أو قرأها. وهذا هو معنى هذا الاتجاه (توليدياً) ، أي أنه يبحث إمكانيات توليد الجمل الجديدة اعتماداً على إمكانيات اللغة."(86)
ويقوم التحليل التوليدي التحويلي على ثلاثة مكونات(87):
أ) قواعد تركيب العبارة، ويمكن التوصل إليها عن طريق تحليل الجملة إلى مكونات صغيرة، حتى يتمّ تحليل الجملة إلى أصغر عناصرها. أي تحليل الجملة إلى مكوناتها المباشرة التي أتى بها هاريس في نظريته التوزيعية أستاذ تشومسكي . إذ طور تشومسكي أفكار هاريس في تحليل الجملة إلى مكوناتها المباشرة.
ب) القواعد التحويلية ، أي القواعد التي يمكن بواسطتها تحويل الجملة إلى جملة أخرى تتشابه معها في المعنى، وذلك مع ملاحظة علاقات الجمل المتماثلة، والإجراءات التي تحدث لتجعل جملة على مستوى السطح تختلف عن الجمل الأخرى:
1- الحذف 2- التعويض 3- التوسع 4- الاختصار 5- الزيادة 6- إعادة ترتيب 7- التقديم.
ت) القوانين الصرفية الصوتية، وهي القوانين التي تشكل الجملة على مستوى البنية السطحية، ومن ذلك القواعد الصرفية والصوتية.هذه القوانين تتفق تماماً مع المعيارية .
أسسها ومبادئها :تنطلق النظرية التوليدية التحويلية من أسس قامت عليها هذه النظرية والتي كانت بدورها توافقت مع المعيارية ، وصارت مظهراً من مظاهر المعيارية ونوردها كالآتي:
- فكرة الفطرية اللغوية في ذهن الإنسان متخذاً من المقابلة بين الإنسان وغيره من الحيوانات، نقطة يعتمد عليها، فالإنسان يغير السوي- فضلاً عن الذكي القادر- يستطيع إنتاج الجمل والتعبير عمّا في نفسه، في حين أن أذكى الحيوانات وأكثرها تدرباً وتقبلاً لما يعلمها الإنسان لا يستطيع ذلك. مستدلاً في ذلك تدرّج الطفل الصغير في الكلام، وفي انتقاله إلى تعلم اللغة، فالطفل يبدأ في سن معينة(سنة أو سنتين) إنتاج الجمل، وما أن يصل إلى سن معينة(السابعة مثلاً) حتى يكون قادراً أيضاً – إلى حد معين- على إدراك السليم من الجمل التي يسمعها من غير السليم، ويأتي إلى المدرسة في هذه السن ليتعلم كيف يكتب ، ويقرأ، وليس كيف يولد جملاً (88).
- وتشومسكي قد تأثر في هذه النقطة بخاصة بما قله الفيلسوفان الفرنسي ديكارت(1650م) الذي كان يرى أن الإنسان يختلف عن الحيوان في أن له عقلاً، وأن أهم خصائص هذا العقل إنتاج اللغة، وهذه النقطة معروفة عند أصحاب المذهب العقلي. والألماني همبولت (1767-1835) الذي يرى أن اللغة نتاج العقل، وهي الصوت المنطوق الذي يعبّر به المتكلم عن فكره، وهي (اللغة) نتاج عدد من العمليات الخلاقة العضوية غير الآلية ، تتمّ في الذهن، ويظهر أثرها على السطح الخارجي بالأصوات والكلمات والجمل، وبها يتمّ التفاهم بين المتكلم والسامع(89).
والنظرية الفطرية الذهنية قائمة على عدد من الكليات النحوية (القواعد الكلية) التي تقوم بضبط الجمل المنتجة، وتنظيمها بقواعد لغوية عامة، تخضع لها الجمل التي ينتجها المتكلم، يختار ما يتصل بلغته من قوالب وقواعد من بين الأطر الكلية العامة في ذهنه، والتي هي كلية شمولية عالمية universal متساوية عند بني البشر تكون في الإنسان منذ ولادته ويسميها linguistic adulation device وهي فطرية تولد مع الإنسان ثمّ يقوم بملئها بالتعابير اللغوية من المجتمع الذي يعيش فيه، فتنضج وتقوي بالتدريج. وكلما اكتسب الإنسان ما يملأ به هذه الكليات الفطرية، ازداد النمو الداخلي التنظيمي للقواعد الكلية في ذهنه، في جزئية منها. وهي تلك المسؤولة عن بناء الجمل وتركيبها في لغته فتتكون لديه القدرة على توليد الجمل وبنائها مضبوطة بقواعد وقوانين تسمى القواعد و قوانين (القواعد التوليدية) Generative Rules . فيتمّ بناء جمل وتراكيب(90).
مما ورد سابقاً نجد ملامح المعيارية واضحة المعالم إذ من مظاهرها اعتمادها على العقل. أو بعبارة أخرى أن فكرتها تنطلق من الفطرة اللغوية. والمعيارية قائمة على هذا الأساس، كذا يصف الوصفيون بأن هذا المنهج قائم على العقل(عقلي)(91)
لذا هو تقليدي متأثر بمنطق أرسطو القائم على التأويل وبناء القوانين وتحليل الظواهر عقلياً، إذ وصفوا أن المنهج المعياري متأثر بمنطق أرسطو في المنطق والفلسفة، كون الفلسفة تقوم على أسس عقلية، ومنطقية؛ لذا نجد الكفاية والداء تدخل ضمن إطار المعيارية.
زيادة على ذلك أن تشومسكي قد نقد الفلسفة لدى بلومفيلد ، إذ كان جلّ نقد تشومسكي ينصبّ على الجوانب السلوكية في نظرية بلومفيلد وفي آراء السلوكي المشهور سكنر الذي كان له أثره في النظرية اللغوية(92).
- الكفاية Competence والأداء Performance وهذه الفرضية ناتجة من فرضية(الفطرية الشمولية).
الكفاية تكون في امتلاك المتكلم- السامع Idea speaker- hearer (93) القدرة على إنتاج الفونيمات الصوتية والقدرة على الحكم بصحة الجمل التي يسمعها من وجهة نظر نحوية تركيبية، ثمّ القدرة على الربط بين الأصوات المنتجة وتجمعها في مورفيمات تنتظم في جمل، القدرة على ربطها بمعنى لغوي محدد، ذلك كله بما يسمى(قواعد إنتاج اللغة)(94).
وهذه القواعد والقوانين وتلك القدرة كامنة في الذهن، أما استعمالها (أي اللغة) فيسمى الأداء Performance . فالأداء هو الكلام أو هو الجمل المنتجة التي تبدو في فونيمات ومورفيمات تنتظم في تراكيب جملية خاضعة للقواعد والقوانين اللغوية الكامنة ، وهي المسؤولة عن تنظيم هذه الفونيمات والمورفيمات في تراكيبها ، فهو الأداء الوجه الظاهر المنطوق للمعرفة الضمنية الكامنة باللغة،ولكن هذا الوجه قد لا يحصل بينه وبين الكفاية تطابق تام، فيكون في انحراف(خطأ) ناتج عن عوامل مقامية سياقية أو ذهنية نفسية اجتماعية... إلخ(95).
فرضية بعيدة المنال -فيما يرى خليل عمايرة- مع أنه يعول عليها، ويوليها أهمية كبرى. وهي الحدس Intuition ويقصد بالحدس هنا حدس الباحث للوصول إلى نية المتكلم المتبادر على إنتاج الجمل من جهة، وعلى الحكم بصحة أو خطأ مما يسمع، وحدس الباحث أيضاً في الوصول إلى معرفة المتكلم بلغته معرفة ضمنية بالملاحظة، وغيرها من وسائل البحث، ليتوصل إلى استنباط قواعد اللغة وقوانينها(96).
ومن هنا ترى الباحثة أن فكرة الحدس تتجدد هنا إذ تدعم التأويل، والتقدير اللذان يعدّان فرعاً من العلل التي تقوم على التأويل، والتقدير في استنباط القواعد والقوانين النحوية واللغوية. زيادة على ذلك العامل. وبالتالي نجد المعيارية تجد لها مكاناً في التوليدية التحويلية بالتأويل والتقدير ، والحدس .
- البنية العميقة Deep Structure ، والبنية السطحية Surface Structure البنية العميقة هي الأساس الذهني المجرد لمعنى معين ، يوجد في الذهن ويرتبط بتركيب جملي أصولي يكون هذا التركيب رمزاً لذاك المعنى وتجسيداً له . وهي النواة التي لا بدّ منها لفهم الجملة ولتحديد معناها الدلالي وإن لم تكن ظاهرة فيها. مثال على ذلك(97):
الجملة: يشرح المدرس الدرس بطبشورة يكتب بها على السبورة.
هذه الجملة المنطوقة تتكون في الأصل من ثلاث جمل أصولية(النواة) kernel Sentence ، تجسد كل واحدة منها معنى عقلياً في ذهن المتكلم وهذه الجمل هي:
1. يشرح المدرس الدرس.
2. يكتب المدرس بالطبشورة.
3. يكتب المدرس على السبورة.
تمثل هذه الجمل الثلاث في مجموعها علاقة بين نقاط رئيسة (المدرس، والدرس، والسبورة، والطبشورة) وهذه هي البنية العميقة التي يأتي دور تجسيدها بكلمات متتابعة منطوقة (البنية السطحية) Surface Structure ، وتأتي هذه البنية (السطحية) متآلفة من الجمل النواة الثلاث لتكون جملة تحويلية معبّرة عن العلاقة بين الكلمات السابقة (يشرح المدرس الدرس بطبشورة يكتب بها على السبورة). بصرف النظر عن الكيفية التي تأتي عليها البنية السطحية هذه، فقد ينطق بها المتكلم مقدماً جزءاً من الجمل النواة على الآخر، فقد يقدم الجزء الثاني على الثالث، أو الثالث على الأول وهكذا... وهذا كله لا يقدم ولا يؤخر في المعنى الذي في ذهن المتكلم أو في الكشف عنه. فالبنية السطحية في الكلام المنطوق المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقواعد التحويلية في اللغة. فيها يتمّ انتظام الكلمات في جمل يعبّر بها المتكلم عن علاقة ذهنية مجردة (معنى) بكلمات محسوسة منطوقة ويسوق تشومسكي المثل التالي ليوضح هذه النقطة في هذا المثال(98):
الله الذي لا يُرى خلق العالم المرئي.
فهذه الجملة تحويلية، وهي تمثل البنية السطحية لأنها منطوقة، كما أنها تمثل بنية سطحية لمعانٍ ذهنية مجردة يمكن تمثيلها على هذا النحو بالجمل النواة:
1. الله لا يُرى.
2. العالم مرئي.
3. خلق الله العالم.
فيتم ربطها ببعضها، أو يتمّ تحويلها، لتظهر في الجملة التحويلية الكبرى: الله الذي لا يُرى خلق العالم المرئي. ويتمّ هذا التحويل بواسطة عدد من العناصر التي تستخدم لربط الجمل ببعضها،إذ ترمز الجملة الكبرى إلى المعنى الذهني المجرد الكامن في ذهن المتكلم ،وهو ذو دور رئيسي في الوصول إلى المعنى الدلالي للتركيب الجملي(99).
إذن نجد من هذه الأسس الرئيسة التي قامت عليها النظرية التوليدية التحويلية اعتمدت على ركن خفي لم يبرز ذكره كثيراً مع أنه يمثل حجر الأساس فيها وهو الاعتماد على أصل وفرع في الجمل . فالأصل فكرة ، والفرع كيفية إخراج هذه الفكرة، والأصل بنية عميقة، فرعها البنية السطحية كيفما تكون. في الجملة التي تحمل البنية السطحية كلمات أصل، وأخرى فروع يرمزون للأولى بكلمة unmarked word والثانية marked word . فالأولى وثيقة الصلة عندهم ( التحويليين) بالبنية الأصل (البنية العميقة) والثانية لها صلتها الوثيقة بالبنية الفرع (البنية السطحية) .
خلاصة القول :
إن مظاهر المعيارية في التوليدية التحويلية واضحة المعالم وبارزة. فكل مظاهر التوليدية التحويلية، وأسسها وفكرتها قائمة في حد ذاتها على مظاهر المعيارية. فكلاهما سواء، بدليل أن النحو العربي توافق تماماً مع التوليدية التحويلية- كما سنورده في المبحث الثاني من هذا الفصل- بمظاهرها كاملة. فمثلاً البنية العميقة والبنية السطحية ترجعان إلى العلل ، والتأويل ولا سيما البنية العميقة, والتأويل ، والتقدير من مظاهر المعيارية.
زيادة على ذلك ن فكرة التوليدية التحويلية القائمة على العقل، هي ذاتها نجدها في المعيارية التي تقوم على العقل ؛لذا اتهم الوصفيون النحو العربي بالتقليدي كونه قائم على العقل. والعامل الذي هو مظهر من مظاهر المعيارية دخل التوليدية التحويلية، كونه يرتكز على العلل، والإعراب.
ثانياً : التوافق بين معطيات النحو العربي والتوليدية التحويلية :
جاءت النظرية التوليدية التحويلية لنعوم تشومسكي لتحيي النحو العربي من جديد، وتبرز جماليات النحو العربي التي لم يستطع أن يراها الوصفيون الذين تأثروا بمناهج الغرب، دون الإتيان بالبديل لما يرمون إليه، ولذا احتفظ المهج المعياري بمكانته العظيمة، وأتت التوليدية التحويلية لتزيده تثبيتاً.
إذن توافقت التوليدية التحويلية مع النحو العربي في مواضع نوردها كالآتي(100):
- كل منهما بني على أساس عقلي .أي إن النحو التقليدي- كما أشار تشومسكي- كان أكثر اقتراباً من الطبيعة الإنسانية في دراسته للغة ، والتوليدية التحويلية عملت على إعادة أصوله على أسس أكثر علمية.
- قضية الأصلية والفرعية: شغلت هذه القضية النحاة من حيث الأصل والفرع، فقالوا: إن النكرة أصل، والمعرفة فرع. وإن المفرد أصل للجميع وإن المذكر أصل للمؤنث... وإن التصغير والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها. وهكذا.
وهذه القضية أسمتها التوليدية التحويلية: البنية السطحية، والبنية العميقة. أي تحوّل البنية العميقة إلى البنية السطحية، وهي قضية أساسية في فهم البنيتين (العميقة والسطحية). وقد عرض التحويليون لقضية الأصلية والفرعية في مواضع مختلفة،منها بحثهم الألفاظ وذات العلامة (marked)، وتلك التي بلا علامة (unmarked) ، وقرروا أن الألفاظ (غير المعلمة) هي الأصل، وهي أكثر استعمالاً ، وأكثر تجرداً ، وأقرب إلى البنية العميقة. ومثال على ذلك، اللاحقة (ed) التي تدل على الزمن الماضي للفعل المضارع تعدّ فرعاً عن الأصل الذي يتمثل في الفعل المضارع،والسبب في ذلك أن الفعل الماضي لزمته لاحقة(علامة) ، بينما المضارع لم تلزمه لاحقة (علامة) وحسب القاعدة ، فإننا نحكم على الفعل الماضي بالفرع، والفعل المضارع بالأصل، كما في المثال: (jump) والفعل الماضي لهذا الفعل (jumped).
و الاسم المفرد غير المعلم هو: الأصل ،و الجمع المعلم هو الفرع، كما في هذا المثال:
(book ,car ,door) والجمع لهذه الأسماء المفردة غير المعلمة التي تعدّ أصلاً هو:
(books ,cars ,doors). فهذه الأسماء المجموعة بإضافة اللاحقة (s) على المفرد غير المعلم(غير المضاف إليه بلاحقة ) يعدّ فرعاً .
وجذور الأصل والفرع نجده عند سيبويه(180 ه)، فقد ذكر الأصل والفرع أثناء حديثه عن النكرة والمعرفة، والمؤنث ، والمذكر فقال:" وإنما كان المؤنث بهذه المنزلة ولم يكن كالمذكر لأن الأشياء كلها أصلها التذكير ثم تختص بعد، فكل مؤنث شيء، والشيء يذكر، فالتذكير أول، وهو أشد تمكّناً، كما أن النكرة هي أشد تمكناً من المعرفة، لأن الأشياء إنما تكون نكرة ثم تعرّف. فالتذكير قبلُ، وهو أشدّ تمكناً عندهم. فالأول هو أشد تمكناً عندهم.
فالنكرة تعرف بالألف واللام والإضافة، وبأن يكون علماً. والشيء يختص بالتأنيث فيخرج من التذكير، كما يخرج المنكور إلى المعرفة."(101).
فمن كلام سيبويه نجد أن المذكر والنكرة ليس له علامة ، بينما المؤنث والمعرفة لهما علامة. فعلامة المؤنث تاء التأنيث، وعلامة المعرفة أل التعريف .
ومن قضايا الأصل والفرع ، ظاهرة القلب المكاني(وموقعه الصرف)، فقد عرض النحاة عرضاَ مفصلاً عن القلب المكاني، فبحثوا في أسبابها وفي طرائق معرفة (الأصل) الذي صدر عنه هذا القلب(102). وقد ذكر سيبويه في تصغير المقلوب فقال : " اعلم ان كل ما كان فيه قلب لا يرد إلى الأصل، وذلك لأنه اسم بني على ذلك كما بني ما ذكرنا على التاء، وكما بني قائل على أن يبدل من الواو الهمزة وليس شيئاً تبع ما قبله كواو (موقن) وياء (قيل)، ولكن الاسم يثبت على القلب في التحقير كما تثبت الهمزة في (أدؤر) إذا حقرت وفي(قائل) ، أو إنما قلبوا كراهية الواو والياء، كما همزوا كراهية الواو والياء فمن ذلك قول العجاج:
لاثٍ به الأشياء والعبري
إنما أراد لائث- ولكنه أخر الواو وقدم الثاء. وقال طريف بن تميم العنبري:
فتعرفوني أنني أنا ذاكم شاكٍ سلاحي في الحوادث معلم
إنما يريد (الشائك) ، فقلب ، ومثل (أنيق) إنما هو (أنوق) في الأصل، فأبدلوا الياء مكان الواو وقلبوا... وكذلك (مطئن) إنما هو من (طأمنت) فقلبوا الهمزة ، ومثل ذلك(القسي) إنما هي في الأصل (القووس) فقلبوا (أنيق) "(103).
والقلب المكاني- عند النحاة القدماء- يطلق عليه في الدرس الحديث مصطلح metathesis ، ويرون أنه – القلب المكاني- ظاهرة تفيد في معرفة (الأصل)، فالإنجليزية القديمة bridd قلبت في الحديثة إلى bird، و urnon قلبت إلى run وغيرها(104) .
- قضية العامل: وقد كثر الحديث عنه- كما أسلفنا سابقاً- كونه ينطلق من منطلق عقلي، وبذا فهو معياري، وكان ذلك سبباً في انتقاد الوصفيين ورفضهم ، وعمود الدراسات النحوية القديمة والحديثة.
وللعامل وجود في التحويلية ، غذ يقرر التحويليون أن النحو ينبغي أن يربط البنية العميقة بالبنية السطحية, والبنية العميقة تمثل العملية العقلية أو الناحية الإدراكية في اللغة conceptual structures . ودراسة هذه البنية تقتضي فهم العلاقات لا باعتبارها وظائف على المستوى التركيبي. ولكن باعتبارها للتأثر والتأثير في التصورات العميقة والحق أن التصورات العميقة. والحق أن قضية العامل – في أساسها- صحيحة في التحليل اللغوي، وقد عادت الآن في المنهج التحويلي على صورة لا تبتعد كثيراً عن الصورة التي جاءت في النحو العربي(105).
والتحليل النحوي عند التحويليين تتجه إلى تصنيف العناصر النظمية وفقاً لوقوعها تحت تأثير عوامل معينة ينبغي على الدارس أن يعرفها ابتداءاً . وتكاد المصطلحات التي يستعملها التحويليون لا تختلف عن كلام العرب القدماء، مثال على ذلك:
- That Martin will fail his linguistic course is likely.
Martin is likely to fail his linguistic course .-
ونجد الجملتين تقعان في مجال كلمة(likely ) أي إن هذه الكلمة – باعتبارها عاملاً- تؤثر في نظم الكلام حتى يؤدي دلالة معينة(106) .
وتعبير (in the scope of) ليست بعيدة عن التعبيرات التي جاءت في النحو العربي عند الحديث عن العامل. والرسم الذي يقدمه التحويليون لهذا المثال يجعل كلمة (likely ) في البداية باعتبارها العامل الذي يسيطر على الجملة كلها وهو على النحو الآتي (107):
S (الجملة) تنقسم إلى:
إلى: A R G وتنقسم A R Gو likely
) ينقسم إلى:S(
)1-his linguistic course( A R G
)2- Martin(A R G
P R E D-3
وقضية العامل تقودنا إلى قضية التقدير العربي -التي تعمق النحويون في دراستها ورفضها الوصفيون - التي أقرّها التحويليون في التحليل النحوي، إذ يرون أن هناك قواعد نظمية كلية (universal) يمكن أن تفهم على ضوئها الظواهر المشتركة في اللغات ومنها ظواهر الحذف والزيادة وتغيير الترتيب، وغير ذلك (108).
- قواعد الحذف reduction rules: هي ظاهرة مشتركة في اللغات الإنسانية حين يميل المتكلم إلى الحذف العناصر المكررة أو التي يمكن فهمها من السياق. والطريقة التي يقدمها المنهج التحويلي في تفسير ظاهرة الحذف هي الطريقة ذاتها التي قدمها النحو العربي (119).
مثال على ذلك :
Richarad is as stubborn our father is.
يقول التحويليون إن ((our father is مأخوذة من بنية عميقة هي : our father is stubborn .
وقد التفت القدماء إلى ظواهر الحذف، ووضعوا له قواعد مبنية على إدراك الاستعمال العربي، وليس مجرد التقدير المعتسف، يقول سبيويه (180هـ ) :" واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل ، ولكنك تضمر بعد ما أضمرت فيه العرب من الحروف والمواضع وتظهر ما اظهروا، وتجري هذه الأشياء التي هي على ما أجروا ، فليس كل حرف يحذف منه شيء ويثبت فيه نحو يكُ ويكنْ. ولم أبلُ وأبالِ. ولم يحملهم ذاك على أن يفعلوه بمثله ولم يحملهم إذا كانوا يثبتون فيقولون في مَرْ أو مُرْ أن يقولوا خذ أو خُذْ وفي كَلْ أو كُلْ، فقف على هذه الأشياء حيث وقفوا ثم قس بعد "(110).
من كلام سيبويه نجد التشابه السائد بين المعيارية من حيث الحذف بين القدماء والمحدثين. وبذا نجد التوافق الواضح الجلي بين المعيارية والتوليدية التحويلية ، والتي نسميها النحو العربي في العصر الحديث في القرن العشرين .
ومظهر آخر من مظاهر المعيارية في الحذف عند سيبويه (180هـ ) ، مفسراً لقواعد الحذف في المبتدأ والخبر ، والمضاف وحرف الجر وغيرها. يقول:" هذا باب يكون المبتدأ فيه مضمراً ويكون المبني عليه مظهراً وذلك أنك رأيت صورة شخص فصار آية لك على معرفة الشخص فقلت: عبد الله وربّي، كأنك قلت: ذاك عبد الله ، أو هذا عبد الله. أو سمعت صوتاً فعرفت صاحب الصوت فصار آية لك على معرفته فقلت: زيدٌ وربّي. أو مسست جسداً أو شممت ريحاً فقلت: زيدٌ، أ المسكُ. أو ذقت طعاماً قلت: العسلُ "(111). ومن الحذف أيضاً حذف المفعول به لعلم لمخاطب، مفهوم ضمناً فقال :" ومما يقوي ترك نحو هذا لعلم المخاطب ، قوله عزوجل : ((وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) )) (112) فلم يُعمل الآخر فيما عمل الأول استغناءً عنه ومثل ذلك : (ونخلع ونترك من يفجُرُك)."( 113) فقد حذف المفعول من الحافظات لدلالة ما تقدم . والتقدير والحافظاتها والذاكراته(114).
وشاهد حذف الخبر للتكرار مستغنياً عنه ، قول قيس بن الخطيم(115):
نحن بما عندنا وأنت بما عندكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ
وفي تفسيره في الحذف حرف الجر قبل ( أن) المصدرية:
" واعلم أن اللام ونحوها من حروف الجر قد تحذف من (أن) كما حذفت من (أنّ) جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذاك حذر الشر، أي لحذر الشر ويكون مجروراً على التفسير الآخر، ومثل ذلك قولك: إنما انقطع إليك أن تكرمه، أي لأن تكرمه، ومثل ذلك قولك: لا تفعل كذا وكذا أن يصيبك أمر تكرهه، كأنه قال: لأن يصيبك أو من أجل أن يصيبك"(116).
مما تقدم ذكره نجد الحذف يوافق تماماً من فكرة البنية العميقة في التوليدية التحويلية .
- قواعد الزيادة أو الإقحام insertion rules :
الزيادة أو الإقحام عند التحويليين يتمثل في وجود تركيبات نظمية تدخل فيها كلمات لا تدل على معنى في العمق، وإنما تفيد وظيفة تركيبية، وقد تعدّ لوناً من ألوان الزخارف trappings، ويمثلون لذلك بكلمات من نحو : there و it في هذين المثالين(117):
- There is a hippopotamus in that cornfield .
- There are many people out of work.
فكلمة there لا تقدم دلالة في العمق هنا، وإنما هي فاعل(سطحي) للفعل الموجود في الجملة أي إنها نوع من الزيادة. فالتركيب الأصلي للجملة هو:
- A hippopotamus is in that cornfield.
- Many people are out of work .
وكذلك استخدام كلمة it كما في المثال الثاني:
-It is raining .
- It is Penelope that took my book.
فهي (it ) زيادة في التركيب لأنها تقدم فاعلاً في بنية السطح(118).
وقد عرض نحاة العربي لظاهرة الزيادة في الجملة ، وأشار إلى أن ما يزاد في الكلام لا يضيف معنى، وخروج بعضه من اللام كدخوله فيه. وإنما هو زيادة قد تضيف فائدة تركيبية كالتوكيد أو قوة الربط أو الفرق أو غير ذلك، وكذا تحدثوا عن الواو المعجمة، وعن حروف الجر الزائدة، وعن ضمير الفصل، وعن كان الزائدة، و (أنْ) ، أو (إنْ) ، أو (ما)(119).
وسيبويه (180هــ) صاحب أول مصنف نحوي قديم وصل إلينا تحدث عن هذه الزيادات ، فقال عن الباء الزائدة :" هذا باب ما تجريه على الموضع لا على الاسم الذي قبله وذلك قولك: ليس زيد بجبان ولا بخيلاً، وما زيد بأخيك ولا صاحبك. والوجه فيه الجر لأنك تريد أن تشرك بين الخبرين ، وليس ينقض إجراؤه عليك المعنى. أن يكون آخره على أوله أولى، ليكون حالهما في الباء سواء كحالهما في غير الباء ، مع قربه منه... لأن الباء دخلت على شيء لو لم تدخل عليه لم يخلّ بالمعنى ولم يحتج إليها ولكان نصباً ، ألا تراهم يقولون حسبك هذا لا يتغير المعنى"(120).
ويقول في ضمير الفصل:" واعلم أن ما كان فضلاً لا يغير ما بعده عن حاله التي كان عليها قبل أن يذكر، وكان عبد الله هو الظريف، قال الله عز وجل : ((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6)))(121) فصارت (هو) ها هنا وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوافي أنها لا تتغير ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر "(122).
إذن نجد ملامح المعيارية بمظهر من مظاهره المتمثل في الزيادة،يكمن في التوليدية التحويلية بشكل واضح وجلي، وذلك من خلال البنية العميقة في الكلام وهذه الملامح تتفق تماماً مع المعيارية العربية (النحو العربي الأصيل) .
- قواعد إعادة ترتيب rearrangement rules (123):
تتمثل هذه القواعد في كيفية إعادة صوغ الجملة، وترتيب عناصره اللغوية في الجملة. وقواعد إعادة الترتيب من الخصائص الكلية المهمة في اللغات الإنسانية، إذ أن لكل لغة ترتيبها الخاص، ولكن المهم هو أن نعرف الترتيب في البنية العميقة أولاً ثم نبحث عن القوانين التي تحكم هذا الترتيب إلى أنماط مختلفة في الكلام عل السطح، ومن الملاحظ أن كل عناصر الجملة معرضة لتغيير مكانها وإن كان ذلك أكثر ما يكون في ما يسميه العرب (فضلة) كالمفاعيل (المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، والمفعول معه، والمفعول فيه)، والحال ، والظروف، وغير ذلك (124).
ففي هذا المثال سنلاحظ ترتيب الجملة في البنية العميقة وكيف يمكن إعادة ترتيبها في البينة السطحية:
- A detective hunted down the killer.
وترتيب هذه الجملة في البنية السطحية على هذا النحو:
- A detective hunted the killer down .
نلاحظ تحاول كلمة(down) وانتقالها من البنية العميقة إلى السطحية.
والعرب النحاة قد عنوا بهذه القضية أشدّ الاعتناء. وأخذوا يحكمون القوانين التي تنظمها، فبحثوا قضية (التقديم والتأخير)وتأثيرها على تركيب الجملة من حيث الإعمال والإهمال، ومن حيث التغيير الدلالي، فنجد التفسيرات الدلالية عند تقديم المبتدأ عند المبتدأ عند البلاغيين والنحاة. أو تقديم المفعول به على الفاعل أو تقديم الفاعل على الفعل، وغير ذلك. فهذه الظاهرة أطلقها البلاغيون والنحاة تقديم ما حقّه التأخير. إذ يُنظر إلى ترتيب الجملة ورتبة العناصر اللغوية في الجملة.
يقول سيبويه (180 هـــ) :" ما كان فيها أحد خيرٌ منك، وما كان أحد مثلك فيها وليس أحد فيها خير منك ، إذا جعلت (فيها) مستقراً ولم تجعله على قولك فيها زيد قائم ، إذا جعلت (فيها) مستقراً ولم تجعله أجريت الصفة على الاسم. فإن جعلته على قولك فيها زيد قائم، أجريت الصفة على الاسم. فإن جعلته على قولك فيها زيد قائم، نصب، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلاّ أنك إذا أردت الإلغاء فكلما أخرت الذي تلغي كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً تكتفي به ، فكلما قدمته كان أحسن، لأنه إذا كان عاملاً في شيء قدمته كما تقدم أظن وأحسب ، وإذا ألغيت أخرته كما تؤخرهما لأنهما ليسا يعملان شيئاً ، والتقديم ها هنا والتأخير فيما يكون ظرفاً أو يكون أسماً في العناية والاهتمام مثله فيما ذكرت لك في باب الفاعل والمفعول وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، فمن ذلك قوله عز وجل: (( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) )) (125)
وأهل الجفاء من العرب يقولون ولم يكن كفواً أحد، كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقر"(126).
ومن آخر من مظاهر التوافق بين النحو العربي (المعيارية)، و التوليدية التحويلية هو: قضية القبول النحوي فإنها تشكل أساساً مهماً في المنهج، وتقدم أصلاً مشتركاً آخر مع النحو التحويلي. وقد كان مقصداً من مقاصد النحاة القدماء من خلال حديثهم المتواصل عن الواجب والجائز، والممتنع. وكلام سيبويه(180 هـــ) عن الجائز ، والممتنع، والحسن، والقبيح، فيقول عن الاستقامة للكلام الذي أسماه ( هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة) :" فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب. فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس وسآتيك غداً . وأما المحال فأن تنقض أول الكلام بآخره فتقول : أتيتك غداً وسآتيك أمس. وأما المستقيم الكذب فقولك : حملت الجبل، وشربت ماء البحر، ونحوه. وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك:قد زيداً رأيتُ ، زكي زيدٌ يأتيك ، وأشباه هذا . وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرف ماء البحر أمس"(127).
كما أن النحو العربي قد قدم تركيبات كثيرة غير مقبولة وذلك في مثل حديثهم عن التنازع من نحو قولهم: " ظننتُ منطلقة منطلقاً هند إياها. أو أعلمني وأعلمته إياه إياه زياد عمراً قائماً إياه إياه"(128).
خلاصة الحديث عن التوافق بين معطيات النحو العربي والتوليدية التحويلية:
- إن هذا التوافق التي صار بين النحو العربي الأصيل، والتوليدية التحويلية يدلّ على مدى عروبة ومرونة اللغة العربية بقواعدها، وقوانينها.ولا سيما أن اللغة العربية حفظها الله منذ قرون متعددة طويلة، كونها لغة القرآن الكريم.
- إن هذا التوافق يعيد للغة العربية هيبتها من جديد،بعد محاولات شتى لطمس الهوية العربية، وقتل اللغة العربية في عروق كل عربي مسلم. كون اللغة العربية لغة القرآن ، والقرآن هو: الدين المشرّع، فقرروا ضرب اللغة من هذا المنطلق، هذا من جهة. ومن جهة أخرى نجد تأثر العرب أنفسهم بالمناهج العربية مما أوقعهم في لبس، وعدم القدرة على فصل اللغة العربية التي هي لغة القرآن ، واللهجات العربية. لنجد بعضهم يحتج على أن يكتب القرآن باللهجة العامية!
- إن هذا التوافق هو في حدّ ذاته إحياء للغة العربية، وتثبيت قواعدها أكثر. وكذا عمل على تقويتها ،فصارت أكثر قوة مما كان في السابق .فمظاهر التوليدية التحويلية، وأسسها هي ذاتها مظاهر المعيارية، وهي ذاتها مظاهر النحو العربي، ويكفينا فخراً أن لغتنا ما زالت قوية صامدة أمام المحاولين طمس هويتها دون إنصاف. فترى الباحثة أنه لا مانع من دراسة العربية وفق المنهج الحديث، ولكن دون تعسف على المنهج العربي المعياري، أو طمس الهوية العربية، بل يكون هدف الباحث العربي هو إبراز جماليات، وقدرة اللغة العربية على هضم المناهج الغربية، وتوظيفها في القالب العربي، دون أن يمسّ بأركان اللغة العربية في شيء. ولم تهدم أي ركن من أركانها،بل زادتها قوة.
يتبع=