|
|
|||||||
| آخر 10 مشاركات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
المشاركة رقم: 1 |
|
|
التحديات التي تواجه اللغة العربية في العصر الحديث لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان والأمة العربية هي أكثر الأمم حظّاً في هذا الصدد، لأن لغتها هي لغة الكتاب الخالد المنزَّل من السماء وهو القرآن الكريم، وهو كتاب معجز ببيانه وأسلوبه في الدرجة الأولى، ناهيك عن إعجازه في تشريعه، وإخباره بالغيوب، وذكره للحقائق العلمية ونحو ذلك، مما جعل هذه اللغة لا تنفك عن الدين الحنيف، تنتشر حيثما وجد الدين، فتجاوزت بذلك صفة الإقليمية المحدودة، وصارت لغة عالمية، يعبر بواسطتها العربي والمسلم في أي بقعة من العالم عن ما يريد. وقد شعر المسلمون جميعاً بأهمية هذه اللغة، ونهض العرب والأعاجم معاً لخدمتها بعد الإسلام. ولقد برع الكثير من الأعاجم في التقعيد لعلوم هذه اللغة النحوية والصرفية والبلاغية إلى جانب إخوانهم العرب، وذلك من أمثال: ابن المقفع (ت 143 هـ) وسيبويه (ت 180 هـ) وأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 208 هـ) والجاحظ (ت 255 هـ) وابن قتيبة (ت 276 هـ) وابن جني (ت 392 هـ) وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) والزمخشري (ت 537 هـ) والسكاكي (ت 606 هـ)، وغيرهم من العباقرة الأفذاذ. وقد حظيت هذه اللغة العربية وآدابها منذ الجاهلية وبعد الإسلام بجهود جبارة لم تحظ بها أي لغة أخرى في زمانها. فتم جمع مادتها المعجمية وتدوينها، وتم تأسيس علم النحو ومدارسه المتعددة: الكوفية والبصرية والشامية والمصرية والأندلسية، وحظيت بقية علومها بالتدوين والتقعيد كالصرف والأصوات وتم جمع الأدب ودواوينه. ثم جاء دور البلاغة بعد ذلك، فتم تدوين علومها والتقعيد لتلك العلوم. وبهذا اكتمل صرح البناء اللغوي العظيم، وإنه لإنجاز تفخر به هذه الأمة، ولا سيما أنه جاء في عصر لم تكن وسائل البحث العلمي فيه ميسرة ولا منشَّرة، ولكن الإرادة الصلبة لدى أولئك الأفذاذ من العلماء سيرت أمامهم الجبال. ونشير هنا إلى خبر يؤكد همة أولئك الرجال، وكان قد ذكره النضر بن شميل وهو يبين طرفاً من زهد الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ) وصبره، وهو صاحب معجم "العين" أول معجم بالعربية، ومؤسس علم العروض والقافية كما هو معلوم. قال النضر: »أقام الخليل في خُصٍّ ـ بيت من شجر أو قصب ـ له بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال. وكان يقول: "إني لأغلق عليَّ بابي، فما يجاوزه همي"«([5]). بل لقد قدموا العلم على كل حظوظ الدنيا وشهواتها. ولعل في شعر جار الله الزمخشري (ت 537 هـ) الإمام في العربية وعلومها خير شاهد على هذا. يقول([6]): سهري لتنقيح العلوم ألذّ لي من وصل غانية وطيب عناق وتمايُلي طرباً لحل عويصَة أشهى وأحلى من مدامة ساق وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء([7]) والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي أأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي ذ ومما عني به السابقون: صفاء هذه اللغة، ونفي الغش والزغل عن مفرداتها: فهي لآلئ لا ينبغي أن تختلط بالحصى والتراب. يقول أبو العلاء المعري في هذا السياق([8]): من الناس من لفظه لؤلؤ يبادره اللقط إذ يلفظ وبعضهم قوله كالحصى يقال فيلغى ولا يحفظ ويقول حافظ إبراهيم متحدثاً على لسان اللغة العربية([9]): أنا البحر في أرجائه الدر كامن ************************************فهل سألوا الغواص عن صدفاتي |
|
|
|
|
المشاركة رقم: 2 |
|
|
أهمية البحث في التحديات التي تواجهها اللغة العربية رجعت لنفسي فاتهمتُ حصاتي وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي 3 ـ أثيرت المسألة من جديد، حين دعا إنجليزي آخر، كان مهندساً للرّي في مصر، وهو السر ولْيَم وِلْكوكس سنة 1926 م إلى هجر اللغة العربية، وترجم أجزاء من الإنجيل إلى ما سماه: اللغة المصرية. ونوه سلامة موسى بالسير وليم ولكوكس وأيده. 4 ـ انتشرت الدعوة حين اتُّخذت اللهجة السوقية في المسرح الهزلي، ثم انتقلت إلى المسرح الجدِّي، حين تجرأت عليه فرقة تمثيلية تتخذ اسماً فرعونياً، وهي فرقة رمسيس. وظهرت الخيالة (السينما) من بعدُ، فاتخذت هذه اللهجة، ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان. 5 ـ تسللت الدعوة إلى مجمع اللغة العربية، فظهرت سلسلة من المقالات عن اللهجة العربية العامية كتبها أحد أعضائه وهو عيسى إسكندر المعلوف، وكان يتبنى قبل فكرة الدفاع عن اللهجات السوقية، وقال إنه يشتغل بضبطها وتقييد شواردها لكتابة العلوم. 6 ـ تقدم أحد أعضاء المجمع وهو عبدالعزيز فهمي ثالث الثلاثة الذين بني عليهم الوفد المصري سنة 1943 م باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاّتينية، وشُغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات، امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، وخصصت الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير العربية([12]). 7 ـ وكان مصطفى كمال الذي أنهى السلطنة العثمانية هو الذي استبدل الحروف اللاّتينية بالحروف العربية التي كانت مستخدمة في اللغة التركية قبل ذلك([13]). يدفعه إلى ذلك عنصرية بغيضة وكره للعرب ودينهم. ثم جاء المقلدة في بلاد العرب يريدون أن يحذوا حذوه في ما فعل! شعارات براقة لهدم علوم اللغة وتراث العرب يتخذ دعاة التغريب والمهزومون فكرياً وحضارياً، وفي مقدمتهم دعاة هدم اللغة الفصحى، سيلاً من الشعارات البراقة، والكلمات الخلابة، بقصد لفت الأنظار نحوهم، ويوزعون اتهامهم في كل اتجاه. وقد حذّر من هؤلاء كثير من الأدباء والشعراء، ومنهم: الشاعر القروي رشيد سليم الخوري. فقد قال في مقدمة ديوانه محذراً من دعاة العامية الذين يريدون قتل العروبة والعرب ما يلي: لغة العروبة هي هذه اللغة الخلاقة المطواع، لغة أهل الجنة، اللغة التي اتسعت لرسالة الرحمن، اللغة التي ملكت فصحاها ألسنة أفذاذ الأدب العربي، وألفت بين قلوبهم في كل قطر سحيق... كل عادل إلى العامية عنها، مبشر بها دونها، إنما هو كافر بها وبكم أيها العرب، دساس عليها وعليكم، كائد لها ولكم، عامل على قتلها وقتلكم([14]). ويظن دعاة التغريب والعامية أنهم سيهدمون بادعاءاتهم صرح الدين، وهرم اللغة، وتراث الأمة العلمي والأدبي الذي تحدى عوامل الفناء. وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمود الطناحي كاشفاً زيوفهم وأغراضهم: لقد تعرض أبناء هذا الجيل لسيل طاغ وموجات متلاحقة، من التشكيك في تراثهم وأيامهم. فالشعر الجاهلي غموض وانتحال، وتفسير القرآن مشحون بالإسرائليات، والحديث مليء بالوضع والضعف، والنحو تعقيد وتأويلات، والصرف فروض ومتاهات، والبلاغة تكلف وأصباغ، والعروض قيود ودوائر تدير الرأس، والتاريخ صنع للحكام والملوك، ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها... يسمع أبناؤنا هذا كله مدوياً عالياً، وتتجاوب أصداؤه المترنحة من أحلاس المقاهي، إلى قاعات الدرس الجامعي؛ ولا يستطيع الشباب لذلك دفعاً ولا ردّاً، لغرارتهم وجهلهم وقلة حيلتهم، ولأن كل هذه السموم إنما تساق في ثياب مزركشة، من المنهجية والموضوعية والتفكير العلمي وحركة التاريخ والموقف الحضاري والشمولية، ولا يعرف أثر هذه الألفاظ الغامضة إلاّ من ابتلى بشرها، وصلي جمرتها، ووجد مسها، وكل ذلك عرفت([15]). مناقشة موضوعية للدعوة إلى تطوير اللغة العربية إننا يجب أن نفرق بين تطوير اللغة وتطوير طرق تعليم اللغة بإعداد المدرس الجيد، والمنهج الصالح. فالثاني أمر لا غبار عليه؛ والخلاف هو حول تطوير اللغة، سواء كان بالخروج على قواعدها ونبذ القواعد القديمة، أو بإعادة التقعيد من جديد. فنحن نرى أن اللغة العربية بوضعها الحالي قادرة على استيعاب العصر، وليست بحاجة إلى صياغة جديدة لقواعدها، وليس أدل على قدرة العربية من وجود أدباء كبار نبغوا في هذا العصر، ومن بينهم شعراء المهجر. وقد عبر هؤلاء عن موضوعات عصرنا قاطبة، مستخدمين الفصحى، ولم نعرف واحداً منهم اشتكى من ضعف الفصحى، أو عدم قدرتها على التعبير، أو ثقلها على النفوس ـ فلا يشتكي من هذه الفصحى إلاَّ ضعيف العقل والثقافة ـ، لأنها تمثل روح هذه الأمة وفكرها، والأمم تعتز دائماً بتراثها وماضيها، ومن المفارقة العجيبة أنه: بينما نجح اليهود في إحياء لغتهم العبرية الميتة، واتخاذها لغة للأدب والحياة، كان بعض المفتونين من العرب ينادون ولا يزالون بأن اللغة العربية الفصيحة لغة ميتة، وينشرون في ذلك المقالات الطوال، المكتوبة بالعربية الفصيحة التي يزعمون موتها([16]). إنهم: يزعمون أن قواعدها صعبة معقدة، وفي اللغات الأوروبية الحية ما هو أشد منها صعوبة وتعقيداً كالألمانية، ويقولون إن الشاذ فيها من غير القياسي كثير، والشذوذ في صيغ الأفعال وفي صيغ الجمع والتأنيث وفي المصادر يملأ اللغات الأوروبية كلها، والشواهد عليه لا تحصى، وقالوا إن الكتابة فيها غير ميسرة، مع أن مطابقة الصوت المسموع للصورة المقروءة هي في العربية أوضح منها في الإنجليزية والفرنسية([17]). وينادي المستغربون: ويقولون إن اللغات الأوروبية قد تطورت. فيجب أن تتطور لغتنا كما تطورت لغاتهم، وهناك فرق بين التطور والتطوير: تتطور اللغة بأن تفرض عليها قوانينٌ قاهرةٌ هذا التطور؛ أما التطوير فهو سعي مفتعَل إلى التطور، وهو إرادة إحداث التطور دون أن تكون له مبررات تستدعيه، والتطور لا يُسعى إليه ولا يُصطنع، ولكنه يفرض نفسه، فلا نجد بدّاً من الخضوع له. وأي نعمة وأي مزية في تطور اللغات الأوروبية حتى نسعى إلى افتعال نظيره في لغتنا؟ إن هذا التطور كان نكبة على أصحابه، قطعهم أمماً بعدما كانوا أمة واحدة، ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين والحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت([18]). كيف يكون التطوير بشكل إيجابي؟ إن تطور اللغة بلغ ذروته في العهد النبوي، حيث نزل القرآن والعرب في قمة الفصاحة وأعلى البلاغة. فجاء القرآن وتبوأ بإعجازه عرش البلاغة العربية. يقول مصطفى صادق الرافعي: فقد بلغ العرب في عقد القرآن مبلغاً من الفصاحة لم يعرف في تاريخهم من قبل. فإن كل ما وراءه إنما كان أدواراً من نشوء اللغة وتهذيبها وتنقيحها واطِّرادِها على سنن الاجتماع، فكانوا قد أطالوا الشعر وافتنوا فيه، وتوافى عليه من شعرائهم أفراد معدودون، كان كل واحد منهم كأنه عصر في تاريخه، بما زاد من محاسنه، وابتدع من أغراضه ومعانيه، وما نفض عليه من الصَّبغ والرونق، ثم كان لهم من تهذيب اللغة، واجتماعهم على نمْط من القرشية يرونه مثالاً لكمال الفطرة الممكن أن يكون، وأخذهم في هذا السمت، ما جعل الكلمة نافذة في أكثرها، لا يصدها اختلافٌ من اللسان، ولا يعترضها تناكر في اللغة. فقامت فيهم بذلك دولة الكلام، ولكنها بقيت بلا ملك، حتى جاءهم القرآن([19]). إن القرآن هو المثل والنبراس، وهو الدليل والهادي، وهو المنهج والدستور لهذه الأمة. وعلى جميع الدعوات التطويرية أن يكون هدفها الأول ـ لوكانت مخلصة ـ أن تقرب الناس من بلاغة القرآن، وأن تحطم كل الحواجز التي تعيق عن فهم القرآن، وأن يكون هدفها إعادة بناء الذوق العربي ليكون أهلاً للتفاعل مع مضمون الذكر الخالد، مستعداً لتلقي إشراقاته من جديد، ليكون المسلم المعاصر أهلاً لهداية البشرية في عصر الفلسفات المادية والإباحية، حيث يرنو العالم كله إلى من ينقذه من حلكة الدجى الذي هو فيه. فالعالم يرقد في التيه على حد قول الدكتور محمد إقبال([20]): إن هذا العصر ليل فأنر أيها المسلم ليل الحائرين وسفين الحق في لج الهوى لا يرى غيرك ربان السفن أنت كنز والياقوت في موجة الدنيا وإن لم يعرفوك محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك فهل بعد مملكة القرآن مزيد لمجتهد؟ حتى يأتي المستغربون في هذا الزمن ليهدموا تلك المملكة بهدم اللغة والدعوة إلى العامية بحجة الإصلاح اللغوي، أو إلى هدم علوم اللغة التي أقل ما يقال فيها بأن الأئمة الذين دونوا تلك العلوم كانوا يعتقدون بأنهم يتقربون إلى الله بالتقعيد لتلك العلوم؟ إن التطور الإيجابي يكون بإحياء اللغة في الدرجة الأولى، ووضع نماذج الأدب القديم أمام المعاصرين ليحتذوها، وهو ما فعله إمام الشعراء في هذا العصر الحديث محمود سامي البارودي حين عمد إلى جمع المختارات الشهيرة "مختارات البارودي" لتكون زاداً وقبساً للشعراء والأدباء المعاصرين فيقتفوها. وأما ما سوى ذلك، فهو فوضى وضياع؛ وأما يفعله بعض المحسوبين على الشعر من التحرر من الوزن والقافية والنحو باسم التطور، فهو أمر يخشى أن يضيع اللغة وأهلها. وبعد الإحياء، يمكن أن تأتي أمور أخرى منها التعريب والاستفادة من آداب الأمم الأخرى بالترجمة، ومن التقنيات الحديثة فيما يتعلق بعلم الأصوات، وغير ذلك مما قد يسهم بشكل فعّال في إصلاح واقعنا اللغوي المعاصر. |
|
|
|
|
المشاركة رقم: 3 |
|
|
تأثر بعض الإصلاحيين بفكرة تطوير اللغة العربية واختلفنا في الورى ألسنة يجهل المصري لفظ الحلبي فاللغة الفصحى السليمة تجعلنا نفهم القرآن والسنة والشعر الجاهلي ونلتحم مع التراث قبل آلاف السنين، كما تسهل التفاهم بين أقطار العروبة، وكافة الجاليات والأقليات العربية والإسلامية حول العالم، وهي اللغة التي يتعلمها ملايين المسلمين في البلاد التي تنطق بغير العربية، فكيف نفسد صفاءها بإقحام العاميات معها. يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي: متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر من العوامل السابق ذكرها، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمداً طويلاً، فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجاً يختلف عن منهج غيرها، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلاَّ لأهلها، وبذلك يتولد من اللغة الأولى فصيلة أو شعبة من اللغات يختلف أفرادها بعضها عن بعض في كثير من الوجوه، ولكنها تظل مع ذلك متفقة في وجوه أخرى... وقد اتسعت مسافة الخلف بين اللهجات المتشعبة عن العربية، حتى أصبح بعضها شبه غريب عن بعض. فلهجة العراق ولهجات شمال أفريقيا في العصر الحاضر مثلاً يجد المصري بعض الصعوبة في فهمها. غير أنه قد خفف من أثر هذا الانقسام اللغوي بقاء العربية الأولى بين هذه الشعوب لغة أدب وكتابة ودين([37]). ثم إن لدينا أكثر من عشرين دولة عربية، والعاميات تختلف داخل القطر الواحد من مدينة لأخرى. يقول الأستاذ أحمد الشايب: فأهل مصر لهم عاميتهم، وأهل العراق لهم عاميتهم، وكذلك المغاربة؛ كما أن لأهل الصعيد لغتهم العامية التي تخالف لغة سكان الشمال، الذين يختلفون هم أيضاً في اختلاف عاميتهم باختلاف الأقاليم. ومعنى هذا توشك أن تكون هي اللغة القومية لكل قطر من أقطار الشرق العربي([38]). وكثيراً ما يحمل اللفظ أكثر من معنى، وقد يكون مساغاً في مكان ومرفوضاً في آخر. فأي عبء على دارس العربية أكبر من هذا، وهو أن يلم بلهجات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج والعاميات التي فيها؟ ثم إن العاميات مختلفة من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر. فكيف نختار منها ما نريد؟ وما مقياس الاختيار؟ أليست العودة إلى الفصحى هي الأفضل من التشتت وراء العاميات واللهجات الشائعة في الأقطار العربية؟ وياللأسف الشديد! بدأنا نجد جامعات ودور نشر ومؤسسات ثقافية وأكاديمية تتبنى مشاريع دمج الفصحى بالعامية، ووضع قواميس للعاميات في كل قطر وكل مدينة عربية، وذلك كما يقول أحمد الشايب: »إما لأنها طور من أطور التاريخ اللغوي والأدبي والاجتماعي، وإما لأنها قد تكون أساساً لهذه اللغات الإقليمية التي قد ينتفع بها فيما بعد كما يرى بعض المفكرين«([39]). ولا أدري ماذا سيفعل طالب درس العربية إذا وضعنا أمامه عشرات القواميس المختلفة للهجات العربية والعاميات المنتشرة في الأقطار العربية ثم طلبنا منه أن يلم بها؟ بل ماذا سيصنع الطالب العربي إزاء هذا الركام من الكلمات العامية وقواميسها؟ ألا يعني هذا أن العربية الفصحى ستكون في خطر؟ بل إن الذوق العربي والبلاغة العربية والحس الأدبي سيكون في خطر، وذلك يعود لسببين يتعلقان باللغة العامية: أحدهما: شيوع الخطإ اللفظي، والخروج على قوانين النحو والتصريف وعدم التحرج في قبول كل دخيل أو أعجمي من الألفاظ والتراكيب، حتى هجر فيها النحو العربي، وخضعت العبارات لصور أجنبية في تأليف الجمل وتكوين الأساليب؛ وثانيهما: ما غلب على معانيها من التفاهة والعرف، فأغلبها أوامر ونواه وأخبار عادية تتصل بالحياة الجارية، وتتكرر في كل وقت وكل يوم، مما لا يستحق درساً ولا تقييداً([40]). إن الأمة العربية ـ بسبب الدعوة إلى العامية ـ مرشحة لتمزق ثقافي قد يكون أشد إيلاماً من تمزق وحدتها السياسية. كيف نرفع من شأن لغتنا ونطور تعليم اللغة العربية إن اللغة هي هوية الأمة الحضارية، والتمسك بها والسعي إلى إحيائها وتطوير الدراسات حولها دعامة من أولى دعائم النجاح الحضاري لكل أمة تسعى أن يكون لها مستقبل مشرق في الغد القريب. وإذا أردنا التقدم في استخدام اللغة وتعليمها، فنحن بحاجة إلى أمور، نذكر منها: أولاً: إيجاد النص اللغويّ المعاصر الذي ينبغي أن يكون سهلاً وميسّراً في الخطوة الأولى؛ ثانياً: ينبغي الاستفادة من القرآن والحديث وخطب السلف الصالح؛ ففيها مدد عظيم للفصحاء والبلغاء. يقول الشاعر القروي رشيد سليم الخوري في هذا الصدد: »فعلموا القرآن والحديث ونهج البلاغة في كل مدارسكم وجامعاتكم، لتقوم بالفصحى ألسنتكم، وتتقوى ملكاتكم، ويعلو نفسكم، وتزخر صدوركم بالحكمة، وتشرق طروسكم بساحر البيان«([41]). ثالثاً: تنمية المهارات اللغوية لدى المتكلم الذي ينبغي أن يكون متلافياً لأخطاء الكلام، والاستفادة من تقنيات التعليم في هذا الصدد. رابعاً: تعريب المصطلحات العلمية بشكل دائم وتوحيد جهود التعريب في العالم العربي، وتعريب آداب الأمم المتقدمة وعلومها للاستفادة منها في آدابنا وواقعنا المعاصر. خامساً: إيجاد المعاجم والقواميس العصرية وتزويدها باللوحات والرسوم التوضيحية، وتطوير هذه المعاجم بشكل دائم. سادساً: تعاون كافة أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في هذا الصدد، وإبعاد شبح العاميات التي تهدد الفصحى في العالم العربي. سابعاً: التزام البلديات والمؤسسات وكافة أجهزة ومرافق الدولة والمجتمع على مستوى العالم العربي باستخدام العربية الفصحى، وبخاصة في أسماء الطرق والإعلانات العامة. ثامناً: إعادة صياغة العقل العربي بما يعزز الشخصية الحضارية للإنسان العربي وتأكيد الهوية وعدم الانجراف الحضاري مع تيار العولمة الذي بات يهدد ثقافات الأمم والشعوب جميعاً. تاسعاً: اللغة جزء من حياة الناس العامة وتراثهم الثقافي، وتفعيل الدور الحضاري للأمة مطلوب حتى تنهض اللغة وعلومها برفقة بقية العلوم الإنسانية والميدانية والمعملية والتجريدية. فلا يمكن أن تتم نهضة في جانب واحد من حياة الأمة دون بقية الجوانب، لأن النهضة حركة متكاملة، وكلٌّ يتقاسمه الأجزاء، وليس أجزاء بمعزل عن الكل. يقول الدكتور إبراهيم أنيس: »وتتبع اللغات الأمم في صعودها وهبوطها، وفي تطورها وتغيرها؛ إذ لا وجود للغة بغير المتكلمين بها، ولا تحيا إلاّ بحياة أبنائها. فكل تطور في حياة الأمة يترك أثراً قوياً واضحاً في لغتها«([42]). وهذا يتطلب منَّا أموراً كثيرة، وفي مقدمتها العمل في فريق جماعي من أجل البحث في عيوب المناهج القائمة، وطرق تقويمها، والسبل النافعة لإعداد المعلم الناجح الذي يستوعب تحديات العصر ويتخلق بأخلاق المهنة، ويكون له من الصبر وقوة الإرادة ما يستطيع معه مواصلة رسالة نشر اللغة العربية. ثم يأتي دور الإرادة الفاعلة للأمة بأسرها، كل بحسب موقعه، من أجل نهضة شاملة تحتل الثقافة منها حصة الأسد، ويكون للغة العربية الحظ الأكبر من تلك الحصة، لأنها وعاء فكرنا الحضاري، ونبض حياتنا الاجتماعية، وأملنا المشرق في مستقبل حضاري واعد. والله ولي التوفيق. ([1]) سورة الرحمن، الآيات 1 ـ4 . ([2]) الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر، ط. 4، 1395 هـ/ 1975 م، ج 1، ص. 170. ([3]) المصدر نفسه، ص. 171. ([4]) مختارات البارودي، مشروع المكتبة الجامعة، مكة المكرمة، ط. 1، 1404 هـ/ 1984 م، ج 1، ص. 41. ([5]) ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ج 2، ص. 224. ([6]) تفسير الكشاف، رتبه وضبطه وصححه مصطفى حسين أحمد، دار الكتاب العربي، بيروت، 1406 هـ/ 1986 م، ج 1، ص (ح) في ترجمة المصنف. ([7]) الدوكاء: نوع من أنواع النغم. ([8]) انظر: مختارات البارودي، المصدر السابق، ج 1، ص. 71. ([9]) ديوان حافظ إبراهيم، ضبط وتصحيح وشرح وترتيب أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري، دار العودة، بيروت، ج 1، ص. 254. ([10]) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت، ط. 3، 1392 هـ/ 1972 م، ج 2، ص. 368. ([11]) ديوان حافظ إبراهيم، المصدر السابق، ج 1، ص. 253. ([12]) انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج 2، صص. 359 ـ 364. ([13]) المرجع نفسه، ج 2، ص. 376؛ عبد الله التل، جذور البلاء، المكتب الإسلامي، دمشق، ط. 2، 1398 هـ/ 1978 م، ص. 221. ([14]) ديوان الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، دار المسيرة، الطبعة الكاملة، بيروت، 1978، ج 1، صص. 38 ـ 39. ([15]) الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1406 هـ/ 1985 م، صص. 8 ـ 9. ([16]) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، المرجع السابق، ج 2، صص. 364 ـ 365. ([17]) المرجع نفسه، ص. 366. ([18]) المرجع نفسه، ص. 367. ([19]) تاريخ آداب العرب، دار الكتاب العربي، بيروت، ط. 2، 1392 هـ/ 1972 م، ج 2، ص. 156. ([20]) سليم عبد القادر، نشيدنا، دار السلام، القاهرة، ط. 5، ص. 122. ([21]) عمر الدسوقي، في الأدب الحديث، دار الفكر العربي، ط. 6، ج 2، صص. 180 ـ 181. ([22]) المرجع نفسه، ص. 181. ([23]) المرجع نفسه، ص. 182. ([24]) المرجع نفسه، صص. 182 ـ 183. ([25]) المرجع نفسه، صص. 183 ـ 184. ([26]) أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. 1، 1401 هـ/ 1981 م، ص. 84. ([27]) من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط. 5، 1975، ص. 279. ([28]) مجلة إسلامية المعرفة، السنة السابعة، العدد 26، خريف 1422 هـ/ 2001 م، صص. 137 ـ 138. ([29]) المرجع نفسه، ص. 125 ـ 152. ([30]) دليل الإملاء وقواعد الكتابة العربية، ص. 150. ([31]) المرجع نفسه، ص. 74. ([32]) المرجع نفسه. ([33]) محمد أبو معطي وآخرون، قواعد الإملاء والخط للصف الأول المتوسط، وزارة المعارف السعودية، طبعة معدلة، 1411 هـ/ 1990 م، صص. 34 ـ 35. ([34]) القاموس العصري، دار الجيل، بيروت، 1986، صص. 6 ـ 7. ([35]) محمد أكرم سعد الدين، »قضايا اللغة العربية وتحدياتها في القرن الحادي والعشرين«، مجلة التجديد الماليزية، العدد الأول، رمضان 1417 هـ/ يناير 1997 م، ص. 260. ([36]) ديوان هاشم الرفاعي، جمع وتحقيق محمد حسن بريغش، مكتبة المنار، الزرقاء، ط. 2، 1405 هـ/ 1985 م، ص. 377. ([37]) علم اللغة، دار نهضة مصر، القاهرة، صص. 172 ـ 175. ([38]) الأسلوب، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ط. 8، 1990، ص. 10. ([39]) المرجع نفسه. ([40]) المرجع نفسه، ص. 11. ([41]) رشيد سليم الخوري، ديوان الشاعر القروي، المصدر السابق، ج 1، ص. 39. ([42]) دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، ط. 4، 1980، ص. 146. |
|
|
|
|
المشاركة رقم: 4 |
|
|
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. |
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| القراءات القرآنية في معجم تهذيب اللغة للأزهري في ضوء علم اللغة الحديث | ابو مريم الجزائري | الدراسات والبحوث العلميّة المحكّمة | 1 | 12-19-2009 02:20 AM |
| كتب في اللغة العربية | الوالد | مكتبة أهل التأويل العامّة | 0 | 09-17-2009 11:20 PM |
| المسائل الفقهية التي بناها ابن حزم على اللغة | الوالد | ملتقى النحو والصرف | 0 | 04-24-2009 12:40 AM |
| هل الحديث حجة في اللغة؟ | ابن خلدون | الملتقى اللغوي العام | 4 | 10-04-2008 02:09 PM |
| ما معنى الحديث التى يقول( ان الملائكة لتضع اجنحتها رضا لطالب العلم | السيف | ركن الفقه العام | 4 | 07-23-2008 03:53 PM |